سمر آل موسى – كاتبة وإعلامية

خسر أولئك الذين قدَّسوا جمال المظهر في الإنسان على جمال الجوهر، ورضوا بالماديات عن الفكر والقلب والروح والمعنويات، ثم ما يلبث أن يُكشف لهم عن الغطاء، فيرون حينها إما جوهراً نقياً، أو باطناً رديَّاً، فإن كانوا من ذوي النصيب السعيد، فسيجدونه نقياً، وذلك من نعيم القدر وإحسانه، وإن وجدوا الآخر، فهو خيرٌ لهم حتى يعلِّمهم معنى الجمال الحقيقي.
أستطيع أن أعترف بملء فمي، أنني ما عرفت في هذه الحياة القصيرة، التي تنقَّلت فيها بين البشر، أجمل ولا أبهى من نفسٍ طيبةٍ متواضعة، تراها، فتحسبها طيراً يرفرف أمام عينيك، ويغرد لك بسعادة، وروحٍ راقيةٍ، تضفي عليك من روعتها وحسنها الممزوجين بالإيمان والصدق، وفكرٍ رفيعٍ، يثري مداركك، ويلقِّحُ عقلك معرفةً وازدهاراً، وخُلُقٍ نبيلٍ، تحسبه كأنما خُلِقَ من «جنائن مُزهرة» وبساتين عطِرةٍ، يترك فيك أثراً طيباً، وقد يلطِّف من طبائعك، ويُحسِّن من خصالِك، وقلبٍ نقيٍّ كريمٍ، يَذْكُركَ بالخير، ويدعو لك بظهر الغيب، ولا ينهشُ فيك بعدما تلتفت عنه مودعاً، أو يصاحبك لأجل مصلحةٍ مؤقتةٍ، فإذا انقضت أشاح عنك، وكأنه لم يعرفك أبد الدهر، أو يغدر بك، ويدبر لك المكائد والمصائد، ويتصيَّد زلاتك وعثراتك، أو يزدريك، وينظر إليك متغطرساً من برجه العاجي، أو يتفوَّه بألفاظٍ، يستحي منها القبحُ ذاته، وإنني ما ندمت في حياتي أكثر من ندمي على الاغترار بالمظهر الخارجي، والافتتان به لبرهةٍ عن «الباطني».
ولقد قابلت من البشر جنسياتٍ وألواناً مختلفة من ناصع البياض، وفاتن الملامح، إلى فاحم السواد، فلم أتعلم، وأوقن إلا بعد فترة طويلة من المعرفة، أو حدوث مواقف بيننا، كاشفة أن الجمال الحقيقي، والبهاء الأسمى ما هو إلا الذي يتبطن الفكر والروح والقلب، سواءً كان الظاهر جميلاً أم دميماً، أبيضَ أم أدهمَ، فما أسعد، وما أهنأ الذي يُهديه القدر ذاك الإنسان «جميل الباطن».
يقول ابن حزم في «طوق الحمامة»: «ولو كان علة الحب حُسن الصورة الجسدية، لوجب ألا يُستحسن الأنقص في الصورة، ونحن نجد كثيراً ممن يؤثر الأدنى». وإن كان هذا الحديث مخصصاً للحب، والانقياد القلبي الأعمى نحو الحبيب، لكنه يشمل كذلك التعارف الإنساني بشكل عام، فتُستحسن بطبيعة الحال مجالسة جميل الداخل عن شخصٍ آخر تجده في داخله مُنفِّراً.
ولا أحب أن يساورك أيها القارئ شكٌّ في أنني أتهم الجمال الخارجي بحتمية سوء الباطن، أو أن أمنح عدم جمال الشكل جوهراً نبيلاً مطلقاً، ولكنني رأيت أنه من نقصان العقل الحكم على الأشياء من ظاهرها الفتَّان، وأخذ اعتبار واحد فقط في الحسبان، وهو الشكل، وتقديمه على ما سواه مما هو أعظم منه وأهم.
يقول المنفلوطي في مقدمة «النظرات»: «فقد كنت أرى الناس فرأيت نفوسهم، وأرى الجمال فرأيت لبهُ وجوهره». فوا عجباً هل للجمال لب أجمل منه! نعم، إنه الباطن الأبهى المستتر، والتفسير العميق لحقيقة الأشياء ودواخلها.
إننا نحيا في هذه الحياة الدنيا رحَّالةً، نتقلَّب بين قلوب البشر، ونقلب صفحاتها، ونستكشفها في دهورٍ، أو ربما بين ليلةٍ وضحاها، ويصبح الحبيب عدواً، ويمسي العدو حبيباً، ويغدو القريب بعيداً، والبعيد قريباً، وتتقلب قلوبنا وأفكارنا معها، ونقف أمام هذه الحياة العجيبة صامتين متأملين، نتعمَّق في معانيها الدقيقة، وجمالياتها المكنونة، ولا يتبقى لنا من بين القلوب؛ إلا قلبٌ نابضٌ بالحب والصدق والوفاء، فهلا مددت يدكِ به إلينا أيتها الحياة؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٩٨) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-٠٤-٢٠١٦)