عالية آل ضبعان – باحثة في الإدارة والتخطيط التربوي

يعدّ العلم أحد أهم احتياجات الإنسان، وهو سبب الظّهور والرقي والرفعة للإنسان، ليس على المستوى الفردي فحسب، بل على مستوى الدول أيضاً، فالدول التي تستثمر في نظامها التعليميّ هي التي تتفوّق في كافّة المجالات سواء الاجتماعيّة أو الثقافيّة أو الاقتصاديّة أو العسكريّة، ولهذا السبب فالتّعليم ضروريّ لأيّ دولة تسعى لرقي شعبها وتنميته. ولأهمية التعليم فإنه يحظى بجانب كبير من اهتمام ودعم القيادة الرشيدة في المملكة العربية السعودية إيماناً منها بدور التعليم في التنمية الشاملة للمجتمع ويتضح ذلك من خلال زيادة ما تم تخصيصه لقطاع التعليم بصفة عامة في الميزانية السعودية في الأعوام السابقة حيث بلغت نسبة تمويل التعليم في حدود ربع الميزانية العامة للدولة وفي عام 2016 أظهرت الحكومة عزمها على دعم التعليم إذ يبلغ الإنفاق المقدر في هذا العام 840 مليار ريال، تم توجيه 191 مليارًا و695 مليون ريال لقطاع التعليم والتدريب والقوى العاملة. وعلى الرغم من العجز الذي ظهر في ميزانية هذا العام فقد استمرت الدولة في الإنفاق السخي على قطاع التعليم والتدريب والقوى العاملة، فقد تم تخصيص ما نسبته حوالي 25 % من إجمال نفقات الميزانية للإنفاق على التعليم، متجاوزاً بذلك ما تم تخصيصه لكل قطاع من القطاعات الأخرى وبذلك يتصدر قطاع التعليم سلم أولويات التنمية. ولو قارنا بين حجم الاستثمار في المملكة والدول الأخرى التي حققت مراكز متقدمة في مستوى مخرجات التعليم لديها، يظهر لنا أن تعليمنا لا ينقصه التمويل إضافة لتوفر مدخلات رائعة ومتميزة من الموارد البشرية وتقنية ومشاريع قائمة. إلا أن النتائج والإحصاءات أثبتت أن هناك خللاً في نوعية مخرجات النظام التعليمي في المملكة العربية السعودية. فلماذا لا تتناسب مخرجات التعليم مع مدخلاته؟ ما هي أسباب تدني مخرجات التعليم؟ لقد خطا التعليم خطوات إيجابية من حيث التوسع و الانتشار إلا أنه مازال دون مستوى الطموح والتطلعات للنهوض بالمجتمع والتنمية، ولعلنا نلخِّص أهم أسباب تدني المخرجات النوعية للتعليم في النقاط التالية أولاً: كان التركيز والاهتمام على الجانب الكمي للمخرجات وليس على الجانب الكيفي للمخرجات. ثانياً: انخفاض كفاءة المعلم بسب التحاق أعداد كبيرة من غير المؤهلين تربوياً للعمل في ميدان التعليم الأمر الذي أدى إلى تدني مستوى مخرجات التعليم. ثالثاً: مع وجود الأنظمة الجديدة في التعليم (التقويم المستمر) أصبح هناك عدم تمييز بين الطالب المتميز والناجح والطالب المهمل مما أدى إلى انخفاض الدافعية للتعلم. رابعاً: تدني كفاءة الإدارة المالية للمبالغ المخصصة لميزانيات التعليم وعدم صرفها وفق الأولويات والأهمية النسبية لخدمة التعليم . خامساً: عدم إحساس المتعلم بالقيمة الحقيقية للتعليم وأهميته في بناء شخصية الإنسان والمجتمع، فقد أصبح بعضهم ينظر إليه على أنه شيء تكميلي وليس أساسياً. واستشعاراً لوجود مشكلة تتمثل في تدني مستوى مخرجات التعليم وظهور ضعف في الأنظمة التعليميّة ورغبة منها في رفع مستوى تلك المخرجات انطلقت الوزارة في التعامل مع قضية الجودة النوعية للمخرجات من خلال مشاريع إصلاح التعليم ومنها مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم ونظام المقررات للمرحلة الثانوية، واستراتيجية تطوير المدرسة. وبهدف قياس مستوى جودة مخرجات التعليم العام، فقد تم في عام 1421هـ إنشاء المركز الوطني للقياس وتقويم مدخلات التعليم الجامعي. وسعت الوزارة أيضاً لتعزيز دور الجامعات في خدمة البحث العلمي من خلال تطوير مراكز البحث العلمي فيها لأنه مكمل للنشاط التعليمي وتطويره. إلا أن هذه المشاريع الضخمة والميزانيات الهائلة التي خصصت لها وثمرة هذا الاهتمام لم تنعكس بالمستوى المطلوب على مؤشرات الأداء ومخرجات العمل التربوي والتعليمي وهنا يأتي التساؤل: ماذا بعد؟ نحن بحاجه إلى: إرادة التغيير في إصلاح التعليم لتحسين الجودة النوعية والنهوض بالتنمية. متابعة وإدارة مشاريع إصلاح التعليم وتطويره وعمل التقويم المرحلي لها وتقديم التغذية الراجعة لتفعيل الخطط البديلة ومعالجة الخلل لسد الفجوة في مخرجات التعليم واستدامة تطويره. إعادة هيبة المعلم والاهتمام بطريقة إعداد واختيار المعلم للمهنة، واستمرار تدريب المعلم أثناء خدمته، وتنمية روح المسؤولية لدى الطلاب وغرس القيم الحقيقية للعلم والجد في طلبه. وأخيراً هذه التحديات ليست جديدة ولم تظهر فجأة، إلا أنه ينبغي عدم الاستسلام والقبول بها وليكن استشعار وتحديد المشكلة هو أولى الخطوات التي تتخذ لحلها. ولنتبنى مقولة إن المشكلات التي تحدث من حولك، يمكن استغلالها لإحداث تغييرات كبيرة يمكنها أن تصبح أكبر دوافعك وأهمها، فقط تفاءل وابحث عن الأفضل واتخذ القرار وابدأ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٠٣) صفحة (٨) بتاريخ (٢٤-٠٤-٢٠١٦)