في الوقت الذي رأت فيه وزارة الإسكان ضرورة بحث ودراسة التوسع الرأسي لإنجاز مشروعها الإسكاني في سراة منطقة الباحة لوجود صعوبتين، هما: الطبيعة الجبلية، ومحدودية الأراضي، ما يستحيل معهما التمدد الأفقي، نلحظ تراخي وزارة الشؤون البلدية والقروية في حلِّ هذه المعضلة التي يعاني منها الأهالي، المتمثلة في حَدِّهم من الاستفادة من حيازتاهم وملكياتهم الضيقة باستثمارها في البناء الرأسي، وهذا المنع يدفعهم إلى اتخاذ أحد القرارات التالية: إما اضطرارهم إلى البناء في أراضيهم الزراعية التي زرعها الإنسان منذ آلاف السنين، وبقيت مورداً زراعياً مهماً، ما ينجم عنه إهدار ثروة كبيرة كونها مصدر آمن للغذاء، يستحيل تعويضه، فضلاً عن «تخريب» المنظر البصري الذي تشكَّل مع مرور الزمن، ويعد ثروة معمارية وجمالية يجب الحفاظ عليها، أو اللجوء إلى المساحات الممتلئة بالغطاء النباتي ما يُفقد منطقة الباحة هويتها السياحية بتجريدها من الأشجار، خصوصاً أشجار العرعر والطلح مقابل البناء الإسمنتي، ما يشكِّل أيضاً خسارة فادحة لا مناص منها في حال منع الأهالي من الامتداد الرأسي،
أو النزوح من المنطقة إلى المدن الرئيسية ما يعني تفريغ المدن الصغيرة، وتضخيم المدن الرئيسية.
وهنا نتساءل: لماذا تتباطأ وزارة الشؤون البلدية والقروية في دراسة الأنظمة التي سنَّتها، وتعديلها بما يتناسب مع الظرفين الزماني والمكاني؟ فالمدن الجبلية تختلف تماماً عن المدن التي تفترش مساحات واسعة سواء قرب السواحل، أو في الفيافي، و«المفازات الداخلية الواسعة». البيئة الجبلية لها ظروفها المختلفة ما يستدعي صنع القرارات بما يخدمها ولا يضرها، والباحة تشهد تزايداً سكانياً جراء ارتفاع نسبة المواليد، أو الهجرة المعاكسة بعد أن توفرت فيها كل الخدمات، ومن بينها الجامعة، التي تستقطب آلاف الطلاب الذين يحتاجون إلى مساكن، وتُعدُّ الشقق المسكن الأنسب لهم.
كثير من الأهالي لا يمتلكون المساحات الواسعة من الأراضي ما يضطرها إلى استغلال تلك الحيازات الصغيرة بأقصى حد ممكن في سبيل استفادة كل فرد من أفرادها منها، خصوصاً بعد ازدياد عدد أفرادها، ورغبة كل متزوج الاستقلالية بأسرته. ومع توفير المساكن للشباب ستقل نسبة طلب المساكن التي من المفترض أن تقوم وزارة الإسكان بإنشائها في المنطقة.
ولو أخذنا المنظر البصري لمدينة الباحة في عين الاعتبار لوجدنا شوارع وطرقاً مهمة وواسعة ومزدوجة مازالت تشكِّل عوائق تحدُّ من تعدد الأدوار فيها، وتعيق استثمارها، ولكون الأهالي يعانون من هذا النظام الذي يمكن أن يتغير، ويخدم الأهالي، وأيضاً الجهات الحكومية، باعتبار أن الأنظمة ليست نصوصاً قرآنية، بل قابلة للتعديل، والتطوير والتغيير، بحسب الظروف الزمانية والمكانية والبشرية، فإن النظام الذي لا يخدم بطبيعة الحال يكون سبباً في الإعاقة، وتكون الخسارة حينها فادحة على جميع الأطراف بما فيها الجهات الخدمية، فانتشار المباني في الأودية، والمصاطب الزراعية، وسفوح الجبال، يزيد من التكلفة من حيث ضرورة توفير خدمات البنية التحتية، ورفع طاقتها الاستيعابية من كهرباء وماء وهاتف وصرف صحي، وفتح شوارع، وتوفير إنارة وأرصفة.
الذي نتمناه هو أن تعانق مدينة الباحة السحاب بشموخها فوق ذرى الجبال، وأن تكتسي جبالها بالغطاء النباتي والمصاطب ذات القيمة الجمالية والاقتصادية، وأن تنتشر المباني العالية التي تسهم في حل تلك المعضلة التي تعاني منها المدينة، ما سيعطي طابعاً معمارياً مميزاً لها شريط أن يكون التنفيذ وفق رؤية تصميمية تتناغم مع الطراز المعماري التقليدي، وتتجانس مع البيئة الجبلية ذات الطبيعة الآسرة.
ومضة: بعد النجاح الذي تحقق بإعادة تأهيل قرية ذي عين لتكون واحدة من مواقع الجذب السياحي في المنطقة الجنوبية، فإن هناك مواقع أخرى ذات قيمة تراثية في سراة الباحة، تحتاج إلى تأهيل قبل أن تمزِّق عوامل التعرية جدرانها عندها يصعب استثمارها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٠٨) صفحة (١١) بتاريخ (٢٩-٠٤-٢٠١٦)