عندما تقص شريط أفكارك معلنا عن بداية مرحلة جديدة من نضج المعاني والعناوين التي تدخل إلى عقلك، وتخرج منه دون أن تلتفت لاحتفالية البالونات وشكليات الحفل الفانتازي الذي تقيمه على شرف الحروف المتطايرة التي تخرج إلى حيز الوجود واللغة التي تريد أن تمنحها تذكرة خروج وهوية خاصة تخاطب بها العالم، حينها ستظل تفكر كيف تنقذ أفكارك الفذة من الغرق في عالم تقليدي كلاسيكي يكرر نفسه ويستنسخ أفكاره، أن تفكر كيف يمكن أن تصنع الفارق وتصطاد الاختلاف لتتميز بعبقرية التجديد فلا تحتاج لأن تلعب لعبة «حجر ورقة مقص» بقدر احتياجك لإزالة المترهل من أفكارك ومن أخطائك ومن الهوامش التي استهلكت أوراقك وطغت على سطورها لتضع مكانها الشكل النهائي لتفكيرك ولقوانينك التي نحتها كخوذة على مقاس عقلك، لتقول لغيرك من أنت! إنك حينها لا تفكر في فلسفة المقص الإجباري الذي يتقمص شخصيتك وهو يغير أفكاره ويعيش التناقضات في كل مرة ليحمل معنى مختلفاً فأحيانا يتحرك منتشيا بين يدي حلاق، أو بائع قماش وأحيانا يقف أنيقا في يد مسؤول يقوم بافتتاح مشروع ما وأحيانا أخرى يتحول إلى أداة في يد الرقيب عندما يفكر في قص أفكارك وتفصيلها على مقاس الحال ومقتضاه، وأحيانا يكون حذرا في يد جراح يريد منه أن ينفذ عملية جراحية ليترك خلفه دماء متناثرة على الغطاء الأبيض.
هذا المقص لا يفكر ولا يفلسف الأمور وإنما يتحرك كأداة لقص غير الضروري والفائض من الأشياء دون أن توجعه طريقة القص ومعطياتها ولا العلاقة بين القاص والمقصوص وما بينهما! ولا يفكر في الفارق بين الأشياء التي يقوم بقصها ولا في العدالة والأولويات، لا يعرف مبدأ التروي ولا يقول «نعيما» لمن انتهوا من الحلاقة ولا يبارك لمن ارتدوا الثياب التي قام بقصها، لا يهتم لمواساة كاتب حذفت بعض جمله لاعتبارات يعرفها ولا يعرفها، ولا يعتذر عن بتر جزء من جسدك عندما أقنعه الأطباء أنه أصبح عبئا عليك، فهو متسلط عبر التاريخ لا يعترف إلا بمبدأ «كل شنب مهما طال فله مقص» وذلك يعبر عن سلطته الفوقية في القص والبطش والتهذيب.
ولعل كلا منا يتمنى أن يعطيه القدر فرصة الاختيار في عملية القص لكي يهذب أفكاره ويرتب أوراقه أن يعطيه فرصة كي يختار وأن يقوم بقراءة كافة المقاسات اللازمة لحياته، كي يستطيع أن يحدد ما يحتاج لقصه أن يترك الخيار لأفكاره المختلفة لتنطلق حرة طالما أنها تعيش الاتزان، ولا تعاني من فقدان السيطرة و«الكنترول» على مجريات الأحداث.
ما نتمناه أبسط من عبقرية المقص بكثير ما نتمناه لا يعترف بفلسفته اللامبالية ولا بتسرعه في تطبيق الأوامر دون أن يشعر بالندم.
ما نطلبه مساحة اختيار قبل فرض الحكم بالقص الجبري مساحة واحدة من الأقدار بعيدة عن المفاجآت التي تختصر في بعض الأحيان مشاعرنا بعد أن تقص أغلى ما في الروح ببساطة وترحل وكأن شيئا لم يكن فرصة واحدة للاختيار عذرا أيها المقص عليك أن تكون حكيما وأن تفكر قليلا وتهدأ قليلا قبل أن تضع خيارك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٠٨) صفحة (١١) بتاريخ (٢٩-٠٤-٢٠١٦)