عايض القحطاني

عايض القحطاني

غادرت الطائرة الرياض وعلى متنها طفلة بصحبة والدتها لتهبط في الدمام في مهمة خاصة عاجلة لا تقبل التأخير والتخلُّف، فالخطب عظيم، وذلك حتى تحضر تلك الطفلة حفل تخرجها، فقد تخرَّجت في «التمهيدي»، وانتقلت إلى المرحلة الابتدائية، لتعودا بعدها إلى العاصمة لاستكمال الإجازة. تلك الحفلة تسبق حفلة تخرجها الجامعي بـ 16 سنة.
يعلِّق والدها ناقداً نفسه، فيقول: طفلتي لم تستوعب تلك الحفلة، واستنكرت تلك البهرجة. ويضيف: إن عدد أيام غيابها يوازي عدد أيام حضورها طوال ذلك العام، وقد كلَّفني حضورها الحفلة قرابة الـ 2000 ريال، ولو كنت في رشدي لما تركتها تحضر.
في الحقيقة لا مانع في أن نفرح بالتخرج حين الانتقال من مرحلة التعليم إلى مرحلة التطبيق والعمل عبر حفل رمزي، يليق بالتخرج، يقام في أروقة المؤسسة التعليمية، ولا مانع في أن نسكب دموع الفرح لحصدنا ثمار سنين الكد والكفاح ونحن نتذكر الماضي، وسهره وعناءه، ورفاق الدرب، هي لحظة خالدة في مسيرتنا العلمية، لكن العتب في الحقيقة حين تنحرف الحفلات عن مسارها وغاياتها التربوية والأكاديمية إلى عبث وهدر للأموال والجهود، فنخترع أفكاراً لم تسبقنا إليها شعوب الأرض، في تنافس محموم لم يعد له سقفٌ، ما يجعلك تقف مندهشاً وتسأل نفسك: هل هي حفلة تخرج، أم زفة زواج، ينقصها عروسان؟ كيف لا وهناك سباق محموم نحو حجز قاعة فندقية بدل حجز مسرح المدرسة، ومنصة للغناء والرقص بدل منصة لاستعراض الإنجازات والاختراعات والطموحات، هذا ناهيك عن التباهي بمنتجات الأسواق، وكذلك بين الأقران، والمبالغة في البهرجة والزخرفة حتى أصبح حديث الحضور يتمحور حول تلك الكوشات والمشاغل والهدايا والملابس والحلويات والبوفيهات، ويتناسون الحديث عن المسيرة الأكاديمية، والمستقبل الزاهر الواعد.
بلغ مجموع طلاب التعليم العام في عام 1436هـ، حسب موقع وزارة التعليم ما يفوق 5 ملايين و700 ألف طالب وطالبة، فلو كان من بينهم 10% فقط هم من يحتفل بالتخرج والنجاح برسوم قدرها 200 ريال للفرد الواحد، يتم جبايتها من الطلاب والطالبات، أو تكون مشاركة بين الطلاب أنفسهم في منأى عن المدرسة، لكان تكلفة تلك الحفلات 100 مليون ريال، فماذا لوكانت النسبة أعلى من ذلك؟! ماذا لو استثمرنا هذا المبلغ الضخم «100 مليون» في إنشاء، أو تفعيل صندوق اختياري شبيه بصندوق التمويل الجماعي «Crowd funding» تحت إشراف الوزارة للمساهمة في دعم الأيتام والمحتاجين لسد حاجاتهم المدرسية، أو في إطلاق أنشطة دائمة إبداعية ومنهجية، أو إقامة دورات لتطوير الذات وتهذيب السلوك.
على الرغم من صدور قرار رسمي من الوزارة بعدم جباية المال من الطلاب والطالبات لتنظيم حفلات، وعدم إقامتها خارج أسوار المدرسة، إلا أن بعض المدارس تضرب بالقرار عرض الحائط، فالحفلات مازالت تقام بتكاليف باهظة برسوم وصلت إلى 500 ريال، وإلى ألف، وألفين، وثلاثة آلاف للفرد الواحد حتى أثقلت كاهل الأسر المتعففة، وكسرت نفوسها ما يجعلها في حرج أمام رغبة أبنائها، فتضطر إلى الاستدانة، أو الدفع على مضض، وهي المتضرر الأول من تلك الحفلات بينما المحلات التجارية هي المستفيد الأول، وفي حالات أخرى تعمد بعض المدارس إلى دغدغة عواطف أولياء الأمور بالمساهمة، أو الرعاية، فلماذا لا يطبَّق النظام، ويحاسب المخالف!
ختاماً: من الخلق النبيل أن نترك بعض رغباتنا ومظاهرنا تقديراً لظروف الآخرين حتى لا نكسر نفوسهم، وطوبى لـمَنْ جمع بين الفرح والنبل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٠٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٩-٠٤-٢٠١٦)