في التحقيق كانت ديما ترد على أسئلة جنود الاحتلال: «بدي أروح عالدار»، وبعد أيام على اعتقالها أصدرت محاكم الاحتلال حكمها على ديما بالسجن أربعة أشهر ونصف الشهر مع النفاذ، وغرامة 8000 شيكل، ومراقبتها لمدة خمس سنوات إن حملت أداة حادة مثل فرجار مادة الهندسة.

لم تنبهر ديما بالكاميرا التي كانت تنتظرها، ولم تلتفت إليها، إنما سارت ورأسها مرفوع للشمس بعد 75 يوماً قضتها في العتمة وراء القضبان بعد أن كسر السجان قلمها الرصاص، وادعى أنها سكين مخبأة للقتل، ومزق دفاترها كي يخفي جريمة تقع فجر كل يوم.. سارت ديما الواوي بلا أغلال تدمي قدميها، ولا قيد في معصميها، لم تفتح فمها للصحافيين والإعلاميين الذين جاءوا ليغطوا خبر الإفراج عن أصغر أسيرة في سجون الاحتلال، ديما الواوي ابنة الـ 12 ربيعاً. كان يوم الـ 24 من شهر إبريل الجاري استثنائياً في حياة ديما التي أنهكها السجن وقذارة الجنود والمستوطنين، فكان حاجز جبارة جنوب طولكرم على موعد مع تلك الطفلة التي سرق الاحتلال براءتها وحلمها لمدة شهرين ونصف الشهر، حين اعتقلتها قطعان المستوطنين والجنود يوم التاسع من فبراير/شباط الماضي، وضربوها، ثم ألقوها على الأرض ووضع جندي مسدسه في رأسها، وقيد يديها للخلف، واقتادها إلى الأسر ليشهد العالم على فعلته الشنيعة.
صبيحة ذلك اليوم كانت ديما، تغني مع فيروز «تك تك تك يم سليمان»، وهي تغادر منزل والديها في حلحول شمال الخليل متجهة إلى مدرستها التي تبعد 250 متراً عن بيتها، فاصطادها مجموعة من الذئاب قبيل وصولها إلى فصلها الدراسي، مزقوا حقيبتها، وبعثروا ما فيها، فلم يجدوا سوى قلم رصاص تخيلوه سكيناً تمتد إلى خاصرتهم، فأصابهم الرعب، وأشهروا مسدساتهم. في ذلك اليوم كانت أم ديما تحضِّر قهوة الصباح التي يعشقها أبناء فلسطين وبلاد الشام أين ما حلُّوا. قهوة الصباح تذكِّر بتلك الطاعنة في السن، أم طلال، التي تصبح علينا في بيروت بقهوة مغلية، ينتشر عبقها في ممرات «الهدف» بمنطقة المزرعة ببيروت قبيل الاجتياح الصهيوني. هي نفس القهوة المغلية التي كانت ستحتسيها أم ديما لولا التقاط عينها في وسائل التواصل الاجتماعي صورة ابنتها الفزعة وهي ملقاة على الأرض، والمسدس مشهَّرٌ في وجهها. تركت الأم قهوتها على النار، وخرجت تبحث عن طفلتها، بينما هرع زوجها إلى مركز شرطة «عصيون» بعد أن تلقى اتصالاً من ضابط المخابرات الصهيوني، يطلب منه الحضور حالاً للتعرف على ابنته ديما، المتهمة بحمل سكين المطبخ. ولأن العقاب الجماعي نهج الطغاة، فقد قرر الضابط إلغاء تصريح عمل والد ديما الواوي، فور وصوله إلى مركز الشرطة عقاباً له على ما توهمه الغول بأن ديما «سنَّت» السكين لتقطع أوصاله.
لم يُسمح لوالد ديما حضور التحقيق، وطبعاً لم يُسمح لأي محامٍ أن يحضر، وهو فعل متعارض والقانون الدولي، الذي يفرض وجود الأهل والمحامي مع الأطفال الذين يتم التحقيق معهم. لكن الاحتلال له قانون الغاب، ويصر على تنفيذه وفقاً للأمر العسكري رقم 132 الذي يجيز اعتقال الطفل الذي يبلغ من العمر 12 عاماً، وديما طافت السنوات هذه بشهرين!
***
في التحقيق كانت ديما، ترد على أسئلة جنود الاحتلال: «بدي أروح عالدار»، وبعد أيام على اعتقالها، أصدرت محاكم الاحتلال حكمها على ديما بالسجن أربعة أشهر ونصف الشهر مع النفاذ، وغرامة 8000 شيكل، ومراقبتها لمدة خمس سنوات إن حملت أداة حادة مثل فرجار مادة الهندسة. لكن والفضيحة كبيرة، اضطر الاحتلال إلى الإفراج عن ديما الواوي، بعد شهرين ونصف الشهر من اعتقالها، وقبيل خروجها هاتفت أمها وقالت: «سأخرج الأحد المقبل، سأخرج يا ماما».
لم ترد ديما على أسئلة الإعلاميين والصحافيين الذين انتظروها على الحاجز، فقد كانت عيناها هما اللتان تحكيان، بينما يداها متشابكتان وهي ترقب الوجوه بلا انفعال لعلها ترى تلك الأم التي تركت قهوتها على النار قبل عشرة أسابيع.
عادت ديما من موت مفجع، وتركت وراءها 450 طفلاً وقاصراً في سجون الاحتلال، و57 امرأة وفتاة ضمن 7000 أسير يقبعون وراء القضبان، لكنها قالت بهمس «يا رب تطلعن»، في إيحاء إلى تلك النسوة اللاتي كن معها في الأسر.
كتبت أم ديما وهي تتهيأ للقاء ابنتها «سأطلق الفرح الكامن في قلبي استعداداً للقاء طفلتي… وسأصلي من أجل جميع الأمهات… وسنوزع أنا وديما كثيراً من الأمل لهن».
***
بينما كانت ديما تعيد ترتيب حقيبتها التي مزقها المستوطنون والجنود، تناقلت الأخبار أن قوات الاحتلال أقدمت بدم بارد على قتل الفتاة مرام صالح طه، وشقيقها إبراهيم على حاجز قلنديا شمال مدينة القدس المحتلة. لم يستنكر الأشقاء الجريمة، فقد أصبح الدم العربي أرخص من النفط، وتحولت صبايا المدارس إلى سبايا يباعون في الأسواق. نظرت إلى تلك الخارطة المعلقة على جدار مهترأ، التي كُتب عليها الوطن العربي، فانقضت عليها لتسقطها، لولا صوت أمها التي دخلت عليها وقالت لها: لا تفعليها، غداً سيورق الأمل الذي وزعناه معاً أنت وأنا حين كنت تعانقين الشمس على الحاجز، وسنكسر القيود، ونغني عن ظلام السجن الذي كان..غداً «سندبك» احتفاء بسعدات، ومروان، والقدس. أما نحن فسنصلي لأجلك أيتها الملاك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٠٩) صفحة (١١) بتاريخ (٣٠-٠٤-٢٠١٦)