أروى الشهري

حينما كنا صغاراً، كان لابد علينا أن نحضر حصص التفسير كبقية المواد في المدرسة، وكان ضمن أهداف الدرس، أن نستنتج فوائد صحيحة قبل انتهاء الحصة، وسرعان ما ترتفع أيادي الطالبات تسابقاً للمشاركة في الفائدة التي طالما تعلمْنَها في الحصص السابقة، وهي فائدة «الجزاء من جنس العمل».
حماس التسابق على استخلاص تلك الفائدة لم يكن لأننا كنا ندرك معناها، ولكن كانت أسهل ما يمكن استنتاجه في تلك الحصة، فقد تم حفظها وتخزينها في أعماق الذاكرة بسبب التكرار ليسهل استرجاعها عندما نصبح في حاجة إليها في حصة أخرى، أو نجعلها إجابة صحيحة لسؤال قد يأتينا في الامتحان.
لكننا كبرنا اليوم، ولم نعد في صف يجمعنا مع طالبات نتناول فوائد حصص مادة التفسير. ولكن لا بأس أن نسترجع ما ترسَّب في عقولنا من تلك الحصص المدرسية «في وعينا الشخصي، وعمقنا الذاتي» دون مساعدة طالب مشارك، أو معلم يقف عند سبورة الفصل ليشرح ذلك. تلك الفائدة تحتوي على مغزى عميق جدّاً، تدركه عندما يحلُّ بك جزاء العمل، مثل فقيرٍ تعطف عليه، فبمجرد عطفك عليه تصبح محسناً، ويكتب لك الله بعملك هذا حسنات فتصبح مع المحسنين. عمل الخير جزاؤه يكون مثله تماماً وربما أكثر منه، سينتابك حينها شعورٌ جميلٌ للغاية، وإذا أخطأت فستعاقب لا محالة، يوجد خطأ إذاً يوجد عقاب.
أن تشمت في أحدهم مثلاً لقضاءٍ كتبه الله عليه، أو أن تلتقي بمعاق، فتضحك على وضعه، أو أن تدعس قطة لتزعم أنك لا تخشى شيئاً، أو تنتقص من شخص ما لاعتقادك أنك أفضل منه، عندما تفعل هذا حينها سيحلُّ بك ما هو قريبٌ منه تماماً، قد لا يحصل ذلك اليوم، أو غداً، أو بعد غد، ولكن احذر فنتيجة عملك ستظهر قريباً. أخطاؤنا قد تجعل من حياتنا مبعثرة، لا نعلم سبب عدم انتظامها.
حقّاً قد تكون بعض أخطائنا لا تُذكر، فهي صغيرة وقليلة جدّاً، ولكنها قد تكون سبباً في أن نشعر بالتعاسة لفترة من الزمن.
كل أمر تجعله حدثاً، يتعايش معه شخص ما بصورة سلبية أم إيجابية، أنت المسؤول عنه، وضرره أو نفعه سيعود عليك لا محالة.
يقول تعالى «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ». الذرة هي جزء من المادة لا يمكن تقسيمها إلى جزء أصغر منها، وبمقدار هذه الذرة أنت مخيَّرٌ بأن تفعل خيراً أم شرّاً تحاسب عليه، فالجزاء من جنس العمل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٠١-٠٥-٢٠١٦)