الدكتور بدر عبدالله الصالح

الدكتور بدر عبدالله الصالح

انتهى المعرض والمنتدى الدولي الخامس للتعليم، الذي عُقد في الرياض مؤخراً، ومما يلاحظ فيه أن أغلب جلساته تناولت كل شيء في مجال الاستثمار في التعليم: «تمويل، ومنح أراضٍ، وشراكات…»، عدا التعليم نفسه.
إن محفز الاستثمار في التعليم وتركيز المنتدى في نسخته الخامسة على خصخصة التعليم، جاء استجابةً إلى انخفاض مداخيل الدولة من البترول، وتلبيةً لبرنامج التحول الوطني في محاولةٍ للتخفيف عن كاهل الدولة من خلال مشاركة القطاع الخاص في تحمل جزءٍ من أعباء تقديم خدمات التعليم، ولهذا ركزت مبادرة وزارة التعليم لتحقيق التحول الوطني والاستثمار في التعليم على استمرار دعم الاستثمار في التعليم الأهلي العام والجامعي، وتخصيص عدد من المدارس الحكومية، وتحويلها إلى مدارس مستقلة، والدخول في شراكة مع القطاع الخاص لتمويل وتشغيل المدارس الحكومية، وإنشاء شركة للاستثمار في منظومة شركة تطوير القابضة. وإذا كان هذا التوجُّه للدولة في تنويع مصادر الدخل، وإشراك القطاع الخاص محموداً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية والمستقبلية، فإن القضايا التالية تستحق التوقُّف عندها:
هل سيصبح التعليم سلعة تباع وتشترى؟ طالب بعض المتحدثين بأن يكون الطموح هو الانتقال من رعاية كاملة للدولة للتعليم العام إلى ملكية كاملة للقطاع الخاص، وقال وزير التعليم في الجلسة الأولى للمنتدى، إن الشراكة مع القطاع الخاص ستجوِّد التعليم من خلال تمويله (…) وربط متحدثون آخرون جودة التعليم بخصخصته، وهذه مبالغات غير محمودة، فالدولة أيدها الله، ضخَّت أموالاً طائلة في النظام التعليمي العام بكل مستوياته، ومع ذلك فإن مخرجاته ليست على مستوى طموح الدولة، كما جاء في مقال وزير التعليم: «تعليمنا إلى أين».
إن التعليم كما يعرف المتخصصون هو شبكة، «وليس مصفوقة من المشكلات»، يمثل فيها التمويل رغم أهميته مكوناً ضمن شبكة معقدة، ومتداخلة من المكونات، وهو بهذا مشكلة معقدة، وفي حاجة إلى حل على المستوى نفسه من التعقيد.
وحتى إذا بيَّنت بعض تقارير الاختبارات الوطنية، واختبارات مركز قياس، تفوُّق طلاب بعض المدارس الأهلية في بعض الجوانب، فإن هذا يرجع غالباً إلى تدريب بعض المدارس الأهلية طلابها على كيفية اجتياز الاختبارات، وهي تذكِّرنا بظاهرة التدريس من أجل اجتياز الاختبار «Teaching to the test»، التي تشكو منها نظم تعليمية متقدمة، كما قد يرجع جزئياً إلى اهتمام أولياء أمور الطلبة، الذين حرصوا على تحمُّل أعباء مالية لدراسة أبنائهم في مدارس خاصة. كما أن من بين أسباب الالتحاق بالمدارس الخاصة: موقعها، وبيئتها التعليمية، وقلة عدد الطلبة في قاعة الدراسة، وغيرها، وهي أسباب للالتحاق بالتعليم الخاص في دول متقدمة أيضاً.
إن الحافز الأول للقطاع الخاص للاستثمار في التعليم، هو الربح المادي، فالقطاع الخاص ليس جمعية خيرية، ولن يدخل في شراكة مع وزارة التعليم ما لم يكن العائد المادي مضموناً، ولهذا ليس مستغرباً أن يوجِّه أحد كبار ملاك المدارس الأهلية كلاماً «مستفزاً» إلى وزراء التعليم والعمل والشؤون البلدية والقروية والمالية في الجلسة الأولى: «أعطونا أراضي، وشروطاً ميسَّرة خاصة بالتأشيرات… وسنضمن لكم جودة التعليم». إن هذا برأيي مؤشر على أن جودة التعليم ستحتل مرتبة متدنية، وسيصبح التعليم سلعة تباع وتشترى، وهو في الوقت نفسه تسطيح وتبسيط لمشكلة معقدة.
الفجوة بين الفقراء والأغنياء: إن خصخصة التعليم تعني أن المواطن هو الذي سيدفع مقابل الحصول على خدمات التعليم، وعلى الرغم من أن الدولة يمكن أن تعطي المواطن قسائم «فاوتشر» للمدارس الخاصة، إلا أن هذا يعني توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فالقسيمة ستكون بمبلغ معين لن يصل إلى عشرات آلاف الريالات، ما يعني أن المقتدر مالياً هو الذي يستطيع دفع رسوم عالية لمدارس خاصة متميزة، بينما سيضطر غير القادر إلى أن يختار مدرسة أقل مستوى، وأقل رسوماً دراسية. وحتى المدارس الخاصة في الغرب وفي أمريكا، تؤكد على سلبيات الضغط الاجتماعي، الذي يسببه الطلاب الأثرياء على طلاب الطبقة الوسطى.
نظام حوكمة وجودة: أخيراً، معروف أن لكل عمل قواعدَ وأسساً، وبالنسبة إلى نظام تخصيص التعليم، هل تم تأسيس نظام لجودة التعليم العام، ونظام حوكمة «صارم» لمراقبة مستوى الجودة، وتطبيق مبادئ المساءلة، لكي يعرف الراغبون في الاستثمار في التعليم أن مدارسهم تحت الضوء، ولن يترك التعليم «مستقبل الوطن» سلعة تباع وتشترى؟

* أكاديمي متقاعد – جامعة الملك سعود

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٥-٢٠١٦)