فهد عبدالله الغانم

حلب، هي جامع شمخت مآذنه، وتوضأت بجلاله القبب، هذا هو شموخ وعزة حلب، هذه المدينة التي تقبع في الشمال السوري المشتعل، فعلى مرأى ومسمع من العالم المتحضر تشهد هذه المدينة، وهي كبرى المدن السورية ولها موقع استراتيجي، أعنف وأبشع صنوف الإبادة والتدمير من قِبل قوات النظام السوري، بلا هوادة، أو رحمة، وتُظهر هذه الأعمال مدى بشاعة مرتكبيها من قوات النظام وداعميه من الحلفاء الروس والإيرانيين.
الأسد الذي يُظهر التحدي والاستعراض للجميع بطائراته، وبراميله المتفجرة بدعم خالص من حلفائه، لا يفعل ذلك لتحرير مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل من سوريا خلال حرب عام 1967م، ولكنه يدفع بها إلى جميع المحافظات السورية خصوصاً حلب ليلقيها على رؤوس شعبه المكلوم، الذي لا حول له ولا قوة، فيقتل الشيوخ والنساء والأطفال في وقت يتغنَّى فيه بعض الخونة من السوريين المطبلين للنظام البائد بانتصارات الجيش السوري، وكأن هذه الانتصارات أعادتهم إلى الأيام والأمجاد العربية الخالدة.
إن مَن ينظر اليوم إلى خارطة حلب، التي اكتسح اللون الأحمر كافة أجزائها، لن يصدق بأنها نيران حلب المشتعلة، التي أحرقت الأخضر واليابس، لتئن منه العواصم العربية كافة، وليس حلب وحدها، وجرح حلب الدامي هو اختبار حاسم لكل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية، ولكنها لا تطبَّق، بل يمارس في حقها شريعة الغاب، ومَن يقف وراءها لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم إلا بكلام غير مسموع، وقرارات لا تطبَّق، فمجلس الأمن الحالي مسيَّس، ويقف ضد قضايا العرب والمسلمين، ويتلقى الفيتو الروسي في الأزمة السورية بكل رحابة صدر، ويماطل في وضع الحلول، ويغض النظر عن جرائم الحوثيين، الذين استولوا على الشرعية في اليمن، وقد تفاعل المجلس مع هذه الأزمة بصورة خجولة عبر قرار صادر برقم لا أهمية له، ومادام أنه لا ينفذ فما الغرض منه؟! أما مبعوثا المجلس فهما على رتم واحد من حيث المماطلة، وإطالة أمد الأزمتين، والمساواة بين الشرعية وبين مَن استولى عليها بقوة السلاح، وبين الجلاد والضحية.
سوريا العربية، خصوصاً حلب، تشهد اليوم تفاعلاً عربياً وإسلامياً غير مسبوق عبر وسائل الإعلام كافة، ووسائل التواصل الاجتماعي من «تويتر» إلى «فيسبوك». إنه تعاطف وغضب لن يُشفى غليله إلا بإيقاف هذه المجازر، وإن ربك لبالمرصاد، فهناك مدن تحاصر، وتجوَّع دون رحمة، ومدن تحترق بلا شفقة، ومنازل تنزل على رؤوس ساكنيها، وهناك مستشفيات تئن، ومقابر لم تعد تتسع للشهداء.
ماذا يعني لنا الربيع العربي، الذي سُمِّي في الغرب بذلك الاسم، ووقف عند الثورة السورية منذ 5 سنوات، التي مازالت تُقمع من قِبل النظام وداعميه وسط تخاذل دولي؟! إن ذاك الربيع لم يجلب لنا سوى الخراب والدمار والمآسي الإنسانية في كل دولة حلَّ فيها، حيث أنتج مزيداً من الإرهابيين الذين تغلغلوا بين المتظاهرين السلميين، وخلقوا بيئة حاضنة، أصبح فيها الإرهاب الدولي يرتع، ويعيث فساداً في هذه الدول، ليترك جزءاً من مكانه في العراق وسوريا، ويتجه إلى ليبيا، وشمال سيناء في وقت لايزال فيه يهدد الأراضي التونسية، أما في الجزائر، فهو على أهبة الاستعداد، وفي اليمن أصبح ربيع صالح والحوثيين بطعم القات الأخضر، الذي حوَّل البلاد إلى «محرقة سوداء»، يغطي دخانها سماء كافة المدن اليمنية.
«مسمار جحا»، دقَّت أوتاده الولايات المتحدة للتحالف الدولي في العراق، ومن ثم لاحقاً في سوريا ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، وبدأت مع الدول التي تشارك فيه بأولى ضرباتها العسكرية الجوية في سبتمبر من العام 2014م، لكن ذاك التحالف فشل في تحقيق أهدافه بسبب الدولة التي تقوده، فالولايات المتحدة التي لطالما أكدت على لسان رئيسها باراك أوباما، أن على الأسد أن يرحل، وأنه فاقد للشرعية، وقامت بتهديده إنما كانت تفعل ذلك ذراً للرماد في العيون، فأمريكا وروسيا تتغاضيان عن جرائم الأسد، وتدخلات إيران في سوريا، وكذلك عن إرسال مزيد من عناصر الحرس الثوري لمقاتلة مَن يدعمهم الشعب السوري من الثوار الوطنيين الأحرار، الذين وصفهم وزير الخارجية الروسي بكل صلافة وهمجية بـ «متطرفي الرياض»، لأنهم يريدون أن يعيشوا بكرامة وحرية بعيداً عن الأسد وعصابته، والشيء الذي ظل كامناً في العقل، وأصبح الآن قريباً من الظهور، هو أن الإدارة الأمريكية بعيدة كل البعد عن موقفها المعلن بوجوب رحيل الأسد منذ قيام الثورة، ويظهر ذلك في كلام وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر، الذي أمل أن يرحل الرئيس السوري بشار الأسد عن الحكم قبل خروج الرئيس باراك أوباما من البيت الأبيض في يناير 2017، ولكن الوزير الأمريكي أوضح أنه لا يعتقد أن ذلك سيحصل. هذا الكلام من المسؤول الأمريكي جاء أثناء جلسة استماع عقدتها لجنة الشؤون المسلحة في يوليو من عام 2015م في مجلس الشيوخ، برئاسة السيناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين، وأثناء الجلسة، طرح السيناتور والمرشح الجمهوري للرئاسة ليندسي جراهام، على كارتر السؤال التالي: مَن سيترك الحكم أولاً الرئيس السوري بشار الأسد، أم الرئيس الأمريكي باراك أوباما؟ فأجاب كارتر: آمل أن يكون الأسد، ولكني لا أعتقد ذلك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٤-٠٥-٢٠١٦)