تشرق الحكايات عندما تقف خلفها نماذج بشرية مضيئة، تُشعل الفوانيس، وتُوقد الأفكار، وتفتح النوافذ المعتمة لاستقبال نور الإرادة، تلك التي يصنع أصحابها من قناعاتهم وتطلعاتهم ضوءاً، يستبصر به العابرون إلى الضفاف الأخرى لنهر الحياة، فيعزفون على «كمنجاتهم» لحناً مختلفاً، يطل من خاصرة قوس قزح، فيفتحون الأبواب، ويذلِّلون الصعاب، ويعجنون من «بقايا الأمس» خبزاً وحرية وفناً، يلوِّن معاني الإنسانية. هذه النماذج البشرية المبهرة هي مصابيح الظلام، ومشاعل الضوء في الأنفاق المظلمة.
هذا الضوء الذي يمكن أن تراه وأنت تتجول في معرض «رام»، الذي يعتبر أكبر تجمع لشابات الأعمال والأسر المنتجة في عسير، هناك يمكن أن تلمح الآمال، وهي تلمع في مآقي المشاركات من الفنانات التشكيليات، والشابات المتطلعات، تراهن منشغلات، وهن يجمعن حزمة الضوء في سلال التميز، وهن يخرجن من عتمة انتظار في طوابير الوظائف إلى رحابة العمل بفكر مستنير، وإرادة واعدة، فكل واحدة منهن اختارت مكانها وركنها، وطريقها الإبداعي، وتألقت بحروف عسير، وهي تكتبها على الوسائد، أو ترسمها في اللوحات، وعلى الجداريات والمطبوعات لتضع بصمتها الخاصة التي تقولها وهي تطهو مواسم الحنطة، وخبز التنور، وتقدم وجبتها العسيرية، وما تعلمته من والدتها، وما ورثته من جدتها، للعابرين.
تراها وهي تصنع بخورها وعطورها، وتنقش الحناء، وتقف لتشرح عن خارطة لطريق الأمل، الذي رصفته ومهَّدت عقباته بإصرارها على الوصول، ففي كل موسم من مواسم «رام» قصص نابضة بالحياة لنساء اخترن الطريق الصعب، وأردن أن يضعن بصمتهن الخاصة التي تقول: إننا هنا وسنساهم في بناء الوطن وتنميته، وسنترك في كل ركن من زوايا المعرض رسالة، هي وردة إصرار، وعرش نسائي مزين بالجهد والمثابرة والثبات، سنترك في زوايا المكان عناوينَ مهمة وفارقة في مفصل التطلع النسائي، الذي تجاوز بإرادته القوية أبعاد الجدران ليقف واثقاً، ويقول كلمة امرأة واحدة هي كل النساء اللاتي حملن أسقف منازلهن، وقمن بإعالة صغارهن بصبر، وإيمان لا يقهر.
وأنت تتجول في المعرض، سترى حتى النساء من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهن يستخدمن لغة الإشارة، ويكملن الحكاية في مشوار طويل، يحتاج إلى وقفة مجتمع بأكمله بكافة قطاعاته وبنظرته الثاقبة مع هذه السواعد الشابة، التي ضربت في الصخر، وأخرجت منه هذه الينابيع، وببراءة التطلع، وقوة الإرادة، سجلت هؤلاء الشابات عناوينَ جديدة، وشطبن كل العبارات المستهلكة والمترهلة، وعلَّقن على لافتات المستقبل أن القناعة والعمل بإرادة يمكن أن يحققا المستحيل. إننا نحتاج إلى وقفة تأمل وعمل ودعم لتلك الخلايا التي تشبه خلايا النحل في إنتاجها العسل بأبسط أبجديات الحياة، وبما تبقَّى من أمل، وفي عيونها تطلع وطموح لا ينطفئان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٤) صفحة (١١) بتاريخ (٠٥-٠٥-٢٠١٦)