أمجاد آل نَصر

نهاية صَباح يوم السبت وصل بروفيسور الجامعة مع عدد من تلاميذه إلى أحد المقاهي، بعد أن اكتظَّ المكان بالزائرين.. وقف البروفيسور أمام المدخل مُخاطباً تلاميذه: اليوم يوم حُر وبما أن المكان فارغ لهذا الحد، فإنه بإمكان كُل واحد منكم أن يختار الزاوية التي ترضيه، ويمتلك كل تلميذ طاولته الخاصة.
تعجّب التلاميذ مِن كلام البروفيسور وكأنه لا يرى الضجيج وإنَّ أياً منهم لن يستطيع حتى أن يجد كرسياً واحداً يجلس عليه!
قرأ البروفيسور الحيرة في أعين تلاميذه؛ فابتسم وأردف بعد مدة مِن الصمت قائلاً: المكان فارغ، نعم فارغ. كُل هذا الضجيج الّذي يملأ المكان لا يعني شيئاً إذ كان ضجيجاً فارغاً لا قيمة ولا معنى له، كل ازدحام يملأ العين ولا يملأ القلب هو ازدحام فارغ، كُل بقعة تمتلئ بالكثير وتخلو مِن ذكرى جميلة هي بقعة فارغة. قيمة الأشياء لا تتركَّز في مقياسها المادي المحدود؛ فليست كُل الأشياء الثمينة من حولنا قابلة لِلقياس، بل على العكس، فإننا غالباً ما نقول عندما نصف شيئاً ثميناً «إنهُ لا يُقدَّر بِثمن» أو نقف عاجزين عن التعبير أمام خبرٍ سارٍ «إنني لا أستطيع التعبير.. ليس من كلمة في الوجود تُعبّر عما في داخلي». إن ازدحام الأشياء فِي الخارج وفراغها في الداخل تسبِّب في شجار عظيم بين العين والقلب والعقل، العين ترسلُ صوراً كثيرة إلى مراكز البصر في الدماغ والقلب لا يستجيب لإشارات العقل ويدَّعي بأنها صور كاذبة.
منذ أصبح الكمبيوتر جهازاً محمولاً، وإلى أن أصبحت الكُتب الإلكترونية بِلا أوراق.. منذُ أن أصبحنا ننتقل بالأشياء ونمسك بِالبطارية المُتنقلة ولا نذهب إلى شيء والأماكن الفارغة تزداد مساحاتها على الخارطة!
كل الأماكن أصبحت مُختلطة وتُمثل كل شيء وليس من مكان يرمز لِشيءٍ معيَّن، أين طاولة الكمبيوتر وموقعه الخاص في المنزل؟ أين هو رف الكتب؟ أين هي الأشياء الثابتة والراسخة في مكانها؟
أصبحت تتنقل معنا ولا نتنقل نَحنُ إليها، فقدنا شعور السعي إلى أبسط الأشياء.. فحتى السلع أصبحت تأتي بالعلب المُغلفة إلى أبواب المنازل وليس من حاجة إلى البحث عنها في الأسواق.
نَحنُ لا نذهبُ إلى شيء، كُل الأشياء تأتي إلينا.
لذلك نَحنُ لا نشعر بِشيء، ونمتلئ بازدحام كاذب وفراغٍ مميت.
فقدنا الشعور بالسعي والرغبة في لقاء الأشياء، فتراكم الخمول لِيمنعنا مِن السعي لما هو أكبر، وليقتل الإرادة الداخلية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٥-٠٥-٢٠١٦)