عندما تكبر، وتصبح شاباً، وتحقق أمنية عمري، ستعرف لماذا أموت. ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريء، وأموت من أجل قضية شريفة ولهذا لا أخاف الموت

قيل قديماً: «ضرب الأعناق ولا قطع الأرزاق». وهو قول مأثور لايزال ساري المفعول حتى وقتنا الراهن. وفي الأول من مايو الجاري احتفل العالم باليوم العالمي للعمال، كما جرت العادة منذ أواخر القرن الـ 19. وتشير الروايات وكتب التاريخ إلى أنه في الأول من مايو 1886، نظَّم العمال في مدينة شيكاغو الأمريكية إضراباً عن العمل احتجاجاً على ساعات العمل الطويلة، ورفعوا شعار «ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع». لكن السلطات، وأصحاب العمل لم يرق لهم الأمر، فما كان من الشرطة إلا فتح النار على المتظاهرين، الذين سقط منهم قتلى وجرحى، ثم ألقى مجهول قنبلة في تجمع للشرطة، ما أدى إلى مقتل عدد منهم، واعتُقِلَ على إثر ذلك عديد من قادة العمال، وحُكِمَ على 4 منهم بالإعدام. وتشير الروايات إلى أنه «بينما كانت السلطات تنفذ حكم الإعدام بالعمال الأربعة، كانت زوجة (أوجست سبايز) أحد العمال المحكوم عليهم بالإعدام تقرأ خطاباً، كتبه زوجها لابنه الصغير جيم، جاء فيه: «عندما تكبر، وتصبح شاباً، وتحقق أمنية عمري، ستعرف لماذا أموت. ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريء، وأموت من أجل قضية شريفة، ولهذا لا أخاف الموت، وعندما تكبر ستفخر بأبيك، وتحكي قصته لأصدقائك». لكن الحقيقة ظهرت، وإن كانت متأخرة، عندما استيقظ ضمير أحد عناصر الشرطة، وهو على فراش الموت، واعترف بأن مَن ألقى القنبلة على الشرطة هو واحد من عناصرها.
هذا العام، لم يمر الأول من مايو مرور الكرام في عديد من الدول العربية والأجنبية بسبب الضائقة الاقتصادية والمعيشية، والفوضى التي تسببت فيها سياسات الليبرالية المتوحشة، التي تقضم مزيداً من ثروات الكون، وكان العنوان الأبرز في احتجاجات هذا العام، هو البطالة التي تنهش في جسد شباب المجتمعات، ففي تونس، التي لاتزال تعاني من أوجاع النظام السابق، ورغم توصل نخبها السياسية إلى اتفاقات في حوارها الوطني، إلا أن موضوع البطالة هو الموضوع الأكثر إلحاحاً، حيث بلغت نحو %15.5 نهاية العام الماضي مقارنة بنحو %12 في العام 2010، ويقف اليوم في طابور البطالة أكثر من 600 ألف عاطل عن العمل منهم %30 من حملة الشهادات العليا، وتحتاج تونس إلى نسبة نمو تبلغ %8 سنوياً لتتغلب على مشكلة البطالة، في حين أنها لم تحقق العام الماضي إلا نسبة نصف في المائة.
وفي المغرب، قررت أكبر ثلاث نقابات عمالية عدم المشاركة في احتفالية عيد العمال بسبب عدم تحقيق مكاسب حقيقية للعمال، واعتبرت شهر مايو شهراً للاحتجاج والاستنكار. الاضطرابات طالت اليابان، التي قرر العمال فيها الاحتجاج على السياسات الاقتصادية التي تتبعها الحكومة، ورفض توجهها إلى التوقيع على اتفاقية المشاركة عبر المحيط الهادي للتجارة الحرة مع أمريكا، ولم يكن الأمر مختلفاً في دول آسيا الأخرى مثل: إندونيسيا، وماليزيا، وتايوان، والصين، وكمبوديا التي تظاهر عمال النسيج فيها لزيادة الرواتب التي لا تتجاوز مائة دولار شهرياً في قطاع يعتبر مهماً للاقتصاد الكمبودي، ويوفر 650 ألف فرصة عمل. وتواجه دول الاتحاد الأوروبي وضعاً متردياً، خصوصاً في جانب البطالة، التي يعاني منها نحو 24 مليون شخص، وتحتضن اليونان النسبة الأكبر، بينما ألمانيا هي الأقل بين دول الاتحاد. لكن الملاحظ ما شهدته فرنسا من اضطرابات عشية الاحتفال بالأول من مايو احتجاجاً على البطالة، التي بلغت 10 %، ورفضاً لمشروع قانون العمل الجديد، الذي تقول النقابات العمالية إنه يتضمن إلغاء بعض الحماية التي يتمتع بها العمال من التسريح بهدف تشجيع الشركات على توظيف مزيد من العمال.
اللافت في الأمر ما آلت إليه الأوضاع في فنزويلا حيث الصراع السياسي على أشده بين حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، والمعارضة اليمينية بسبب المصاعب الاقتصادية جراء انهيار أسعار النفط، الذي تعتمد عليه البلاد، وأزمة الجفاف ما خفَّض مستوى المياه في السد الرئيسي، الذي يوفر الطاقة الكهربائية، إلى مستويات حرجة، قادت الحكومة إلى اتخاذ قرار بتقليص عدد أيام العمل في الأسبوع إلى يومين فقط لنحو 3 ملايين موظف في القطاع العام مع عدم المساس بالأجور توفيراً للطاقة.
لم يكن الأول من مايو احتفالياً إلا في دول قليلة، كما هو الحال مع روسيا، التي خرج فيها ملايين الناس خصوصاً إلى الساحة الحمراء بالقرب من الكرملين، وهي حالة لم تشهد البلاد لها مثيلاً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وكانت الاحتفالية دعماً للرئيس في شبه جزيرة القرم.
هي لقمة العيش التي أخرجت الناس في تلك البلدان عن صمتهم، فاضطروا إلى اللجوء إلى الشارع، والاحتجاج بعد أن تقطعت بهم السبل، وأصابهم اليأس من الساسة الذين يبحثون الآن في دفاتر المتقاعدين ليسدوا عجزهم وفشلهم في إيجاد الحلول بعد تبذير الثروات الوطنية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٥) صفحة (١١) بتاريخ (٠٦-٠٥-٢٠١٦)