رشا جبران

الغضب شعور قلبي مثل الحب والكره، والحزن والخوف، وغيرها، أي أننا لا نستطيع التحكم الكامل بهذه المشاعر، ولكن نستطيع أن نتجاهل ونبتعد عن الأمور المؤدية إليها فلا نسلك طريقاً نهايته شعور لا نريد أن نشعره!
إن الغضب يجعل وجنتيك تتوهجان، وحاجبيك يُعقدان، وعينيك تحمران كالجمر، ولسانك يضخ كلمات وعبارات ستندم عليها لاحقاً، وإذا انطلق سهم كلمتك فلن ينفعك الندم حينها!
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رجلاً قال للنبي، صلى الله عليه وسلم: «أوصني»، قال: «لا تغضب». فردَّد، قال: «لا تغضب» رواه البخاري.
النبي، صلى الله عليه وسلم قال: «لا تغضب». ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف لا أغضب، وهو شعور لا أستطيع التحكم به، ولفعل ذلك يلزمني أن أُروِّض نفسي على التحكم بمشاعري، ولكن هذا سيجعلني أعيش مثل قالب ثلج، أو حجر جامد؟!
قول النبي، صلى الله عليه وسلم، هنا كان معناه ابتعد عن كل شيء في نهايته غضب، وكل ما يجعلك تغضب، فبدل أن تصرخ على أبنائك لأنهم يلعبون في طريق سيرك، قم بتغيير طريقك، وبدل أن تغضب لأن زوجتك لم تحضِّر الطعام في وقته ساعدها لاختصار الوقت، أو أشغل نفسك بقراءة كتاب، أو مشاهدة أخبار على التلفاز، أو مداعبة أطفالك وسؤالهم عن يومهم وكيف مرَّ؟ وبدل أن تفرغ بركان غضبك لأن مديرك قال لك كلمات لاذعة لتأخرك، ابتسم بصمت، نعم بصمت، وعندما تغضب اصمت لأن الصراخ والنقاش يزيدان من شدة الغضب مثل نار تزوِّدها بالحطب فتشتعل ثم تحرق كل ما حولك، فالشرارة الصغيرة تتحول إلى حريق، ثم تصبح كارثة.
وفي حديث آخر، أن عبدالله بن عمرو عند أحمد سأل النبي «ما يباعدني من غضب الله» قال: «لا تغضب».
يا الله كيف للغضب أن يُغضب الرحمن، وكيف له أن يكون سبب أغلب الذنوب؟ وكأن أغلب الذنوب هي وليدة الغضب.
لذا فكِّر قليلاً، واسأل نفسك: ماذا لو غضبت؟ حتماً ستجد إجابة على سؤالك حينها، فإن غضبت لعنت، وقذفت، وجرحت، وخنت، وانتقمت، وقطعت الرحم وعققت والديك.
كما أن الغضب يرهق النفس، ويعكر صفو الحياة، فهو يبدع في رسم آثاره على قسمات وجهك، ولا يقف ذلك على وجهك فقط، بل يمتد إلى جوفك، فيبث سمه في أعضائك، فتنهال عليك الأمراض، فتهرم في شبابك وتموت «ناقص عمر ودين»،
فهل بعد هذا من شيءٍ يستحق أن نغضب من أجله، أم إن ما يثيرنا في أغلبه ليس سوى تفاهات حياةٍ، وربما تكون تلك التفاهات من صنعنا، ثم نعيشها من أجل لا شيء؟!
الحياة قصيرة جداً، فهل علينا أن نقضي أغلب أوقاتنا في الغضب والقطيعة، وجرح بعضنا بعضاً، أو في ندم ومحاولة للإصلاح؟! خذ بوصية المصطفى صلوات الله عليه، وكن بعيداً كل البعد عن الغضب، وإذا مر بك هذا الشعور فقم باللجوء إلى الله بسجدة، ينطفئ حينها نار غضبك، وينشرح صدرك، وتعود كالوليد جديداً نظيفاً من بقع الحياة وسوادها، فمَن منا لجأ إليه سبحانه وتعالى وعاد كما كان؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-٠٥-٢٠١٦)