العنود صالح العنزي

في ظل وجود أخطبوط الفقراء الذي بات يهدد ويحيط بكثير من الأسر الخليجية، يخرج لنا ثري خليجي ليشتري حذاء «ميسي» بنصف مليون دولار، أإلى هذه الدرجة وصلنا في مرحلة اللاوعي؟؟، أإلى هذه الدرجة قد نسينا تعاليم ديننا الإسلامي الذي نهانا عن الإسراف، أم وصل بنا الحال إلى غياب العقول في ظل وجود آلاف من الأيتام الذين توفي آباؤهم وبقيت الأم أرملة ضائعة دون عائل وأصبحت تكد وتعمل من أجل أبنائها ويا ليتها تسلم من شبح الفقر؛ فالجوع والتشرد يقفان لهم بالمرصاد.
لقد أصبح الأثرياء متبلدي المشاعر والأحاسيس وغابت عنهم ضمائرهم، كل يوم نسمع ونرى الأثرياء ينفقون أموالهم فيما لا ينفعهم، بل يضرون الآخرين حينما يأتون بهذه التصرفات غير المسؤولة. سيأتي اليوم الذي سيحاسبون فيه على ذلك البذخ والإسراف وسيسألهم الله تعالى عن مالهم من أين اكتسبوه وفيما أنفقوه، ففي الوقت الذي نرى الفقراء يحلمون بكسرة خبز تسد رمقهم وجوعهم الذي طال ويحلمون بيد رحيمة تأخذ بأيديهم للخروج من مستنقع الحياة المريرة ويحلمون بأن يجدوا ما يكفيهم ذل السؤال وقهر الأيام، يخرج ذاك الثري لينفق نصف مليون دولار كي يقتني حذاء لاعب كرة قدم!! أَوَصلنا إلى تلك المرحلة من الانحطاط الإنساني؟ أم لم يحن الوقت لقلوب وأفئدة الأغنياء أن يتأثر أحدهم بأنين وبكاء الفقراء؟.
إننا لم ولن نختلف في أن اللئيم إذا حاز ثروة ارتدى ثياب الغطرسة الكاذبة وانطبقت عليه الحكمة التي تقول «لم أرَ إسرافاً إلا على حساب حق مضاع»، فإن الإسراف مع الأسف الشديد صار صفة غالبة وعادة قاهرة سادت عند كثير وكثير من المترفين الذين فقدوا مشاعرهم ونسوا أن حولهم بشراً يأكل الفقر أجسادهم وغابت الفرحة والسعادة عنهم غير قادرين على مواجهة أعباء الحياة؛ فلا يعرفون إلى أي طريق يذهبون ولا يعرفون أي مستقبل ينتظر أطفالهم الذين اغتال الفقر أحلامهم وينتظرهم التشرد والضياع، وفي الأخير سيحاسبهم المجتمع حين يخطئون. ومن هنا يراودني سؤال أود طرحه ألا وهو: من الذي أخطأ في حق الآخر؟ الثري الذي اشترى حذاء بنصف مليون دولار.. أم الطفل الذي نشأ وهو لا يجد ما يستر جسده؟، بل جاء إلى الدنيا ليجد أحلامه البريئة سراباً ووهماً، وليجد نفسه تحت أثقال القهر والفقر والألم والإهانة واحتقار آدميته؛ فقد ترعرع في وسط حرمه من كل شيء.
لقد اشترك الأثرياء والفقر على حد سواء في سرقة أحلام وابتسامة وحتى طفولة الفقراء، بل انتزعت من قلوب الأثرياء بعد غياب ضمائرهم الرحمة والإنسانية التي باتت في مهب الريح.. ولا يسعني إلا أن أستدعي قول الله سبحانه وتعالى «ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم».
ها نحن نتعرى أمام أنفسنا مما نراه من إسراف وعدم مبالاة بالفقراء والأيتام من حولنا ليتبين لنا مدى البعد الديني الذي وصلنا إليه، فلنراجع أنفسنا خاصة أننا في انتظار وعلى مقربة من شهر رمضان المبارك، ولنحاسبها ولنستدعِ ضمائرنا من قبورها ولنشعر ولنلتفت لإخواننا الذين يستحقون أن نقف بجوارهم بدلاً من إسراف لا خير ولا نفع ولا أجر فيه، أفيقوا من الغفلة أيها الأثرياء، أفيقوا قبل فوات الأوان، أفيقوا فكثيرون ليس لديهم القدرة أو حتى الجرأة على الحلم، وانظروا إلى الذين يعيشون تحت الأرض -بكل ما في هذه الكلمة من معنى- يعانون مرارة البؤس، إلى متى سنكتفي بالمشاهدة دون أن نقوى على تقديم شيء يخفف من معاناتهم؟؟ إلى متى سيظل طاغوت الترف يعيش في كوكب آخر مليء بالأنانية والغطرسة الكاذبة خالٍ من الرحمة والإنسانية؟؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٧) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٨-٠٥-٢٠١٦)