حمد صالح الصالح

كان الأب يسعى على الأرض ليجمع قوت يومه. بل قوت يوم زوجته وأبنائه الخمسة. كان يقرأ كثيراً ويستزيد بالتعلّم والبحث ومجالسة أصحاب الفِكر الراقي والمثقف. وصل ذلك الأب إلى مراحل متقدمة في التعلّم ميّزته عن أبناء جيله. بدأ يعمل بجدٍّ واجتهاد حتى تمكّن من العمل بشكلٍ يستطيع فيه أن يملك أعمالاً ومشاريع لنفسه. كانت تلك الخطوة جريئة نوعاً ما عندما أنهى خدماته لدى المنشأة التي كان يعمل بها ويؤسس عمله الخاص الذي يحمل اسمه. كان ذلك الأب نموذجاً رائعاً ناجحاً باهراً في الأعمال التجارية والعلاقات الشخصية. وفي خضم تلك الرحلة من التعب على العيش الرغد، انحرف أحد أبنائه عن المسار الصحيح. ظلّ ذلك الابن يطلب من النقود طوال فترة مراهقته وشبابه ويصرفها على ما حرّم الله. وبعد مرور 15 سنة من الصرف المتواصل على كل ما يُلهي العبد عن ذكر الله، ارتفع صوت الابن على الأب في ليلة كان قد رفض فيها الأب استمرار صرفه. جحد ذلك الابن كل مساعدات أبيه وإخوته، بل ونكَر جميلاً يرافقه طول العمر، وهو الوجود! كان من الأجدر على الأب بأن يوقف مساعداته لذلك الابن منذ السنوات الأولى، بل ويستخدم معه أسلوب الثواب والعقاب في التربية. فعلى قدر إنجازك في حياتك تحصل على المكافأة المستحقة. ولكن يحصل أن يأتي البلاء على هيئة ابن عاق. يحصل أن يأتي البلاء على هيئة أخ جاحد. كذلك، يحصل أن يأتي البلاء على هيئة انزلاق غضروفيّ. مرّت السنوات الخفيفة فالعصيبة، ثم اللطيفة والثقيلة وكلّها أخذت من العمر أكثره. يعيش هذا الأب الآن مع زوجته وأحفاده وبعض أبنائه حياة سعيدة بعد أن دفن ابنه العاق تحت التراب إثر نوبة قلبية أودت بحياته! هذه القصة من الواقع الخيالي لذاكرتي، ولكنها مملوءة بالعِبر لكَ سيدي الأب ولكِ سيدتي الأم وكذلك لكم أيها الأبناء. أختم بحديثٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (اثنان يعجّلهما الله في الدنيا، البغي وعقوق الوالدين) صحيح الجامع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦١٩) صفحة (١٠) بتاريخ (١٠-٠٥-٢٠١٦)