صلاح ردام

قبل أن نبدأ بالخوض في المقال، يجب علينا أولا أن نعرَف معنى كلمة انحطاط لغويا. إن لكلمة انحطاط معاني شتى في المعاجم العربية المختلفة، تختلف هذه المعاني على حسب وقوعها في الجملة، فإن كانت من انحط (الفعل) فإن لها معاني تباينت ما بين نزول أو انحدار أو تدهور، حتى إن بعضهم عرفها بأن معناها هو الفساد الحسي، أما إن كانت من انحطاط (الاسم) فإنه عندها يكون المقصود منها هو الحركة الأدبية التي ظهرت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر وكانت تميل إلى الشاعرية وتمجيد الجمال، كما أن هناك مرحلة معينة في التاريخ الأدبي العربي كانت تسمى بفترة الانحطاط، وقد أجمع الباحثون تقريبا بأن نهاية العصر العباسي كانت هي البداية الفعلية والرسمية لانحطاط وسقوط الأمة. من الواضح أن تلك الكلمة مرت في أطوار شتى عبر مختلف الأزمنة وكان القاسم المشترك فيها هو السلبية لا الإيجابية والذم لا المدح لهذه المرحلة، وبذلك قد أوفق في أن أعرفها تعريفا عاما وبجملة بسيطة تجمع جميع تلك المعاني والمترادفات السابقة والدلالات أيضا إن صح القول وهو، أنها مصطلح لا ترغب الأمم الحية أن توصف به.

 السقوط الفكري والثقافي:

وصول المجتمع إلى حالة ثقافية وفكرية معينة ليست وليدة زمانها أو مكانها، ولذلك فهذه الحالة الفكرية ستكون بكل تأكيد غير قابلة للحياة في حياتنا الواقعية، بل ستحيا فقط في عقول المستفيدين من هذا التدهور الذين يسمون أنفسهم أو يسمون بالنخب، الذين لا يجدون أنفسهم إلا في هذه البيئة الرمادية التي يستطيعون من خلالها ممارسة الإقناع والتدجين، قد تكون هذه النخب وليدة مرحلة ما أثناء السقوط المجتمعي ليس لها إنتاج فكري أو ثقافي مميز، بل جل ما تستطيع طرحه هو استنساخ زمن معين إلى الزمن الحالي يكون سببا مباشرا للانحطاط ولكنه ليس سببا وحيدا، بل إن هناك أسبابا أخرى لهذا السقوط ومنها محاولة إحلال حيز مكاني لمجتمع مختلف.

 سقوط النخب الدينية:

علماء الدين كانوا وما زالوا في المجتمعات العربية والإسلامية من نقاط القوة في الحياة السياسية والاجتماعية ولهم مكانة أكبر وأقوى في نفوس العامة من مكانة الرموز الأخرى في المجتمع، لذا فعندما يتنازلون عن تلك المكانة، فإن ذلك سينعكس سلبا على باقي أفراد المجتمع كما حدث في بداية عصر الانحطاط، عندما خرج للمجتمع الإسلامي في ذلك العصر نوع من العلماء لم يكن معروفا أو حتى مقبولا في ذلك الزمان ألا وهو علماء السلطان، وهم موظفون في البلاط يحاولون شرعنة كل ما يود أن يقوم به الخليفة وإن كان غير مشروع أصلا، فظهور مثل تلك الفئات الانتهازية له ما بعده لأنه يؤسس لوجود مثل هؤلاء الأفراد والتصرفات على المدى المتوسط والبعيد، وسيخلق نوعا من الصراع الاجتماعي والديني بين تلك المؤسسة وبين المخالفين لها من أفراد وعلماء المجتمع، كما أن هذا النوع من العلماء دائما ما يحاولون استمرار الجهل – إن لم يكونوا سببا في انتشاره – لأن هذه هي البيئة المثالية لاستمراريتهم وهي مسألة وجود بالنسبة لهم.
ولي عودة في مقال آخر..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢٠) صفحة (١٠) بتاريخ (١١-٠٥-٢٠١٦)