د. صالح الرشيد

لكل وزير ابتلاه الله بمنصب وزاري، ولكل وزير كان يحلم يوما ما بالجلوس على كرسي الوزير وتحقق له ما أراد وبعدها تذهب السكرة وتأتي الفكرة، ولكل وزير سابق ربما يجد هنا سبباً من أسباب إخفاقه، اسمح لي أن أبوح لك بهذه النبضات التي أظنها خرجت من قلب محب لك:
- الكرسي دوار ولو دامت الوزارة لغيرك ما وصلت لك، كارثة لو أن المنصب بالنسبة لك يعني الاجتهاد والتبكير في حصد الغنائم قبل أن يحين وقت مفارقة الكرسي الوثير أو أن طموحك يقف ونفسك سترضى بلقب وزير سابق وتبعاته حتى ولو استمررت في منصبك يوما وليلة. بل هي فرصة سانحة لتحفز ذاتك والعاملين معك على سرعة الإنجازات ويحفزك أيضاً على تجنب الغرور والكبر في التعامل مع أفراد أو مؤسسات. حقيقة ولظروف يعلمها الجميع لم يعد للوزير قداسة ولكن ذهبت القداسة للإنجازات ولا شيء غيرها، احذر ربما تجد نفسك خارج الوزارة وأنت مازلت تحتفل بنفسك أو يحتفلون بك..!
- قل لي من اخترت ليعمل معك أقل لك من أنت وإلى أين تذهب ومتى ستكون بدايتك أو نهايتك، تأمل حولك لتدرك نهاية هؤلاء الذين سلموا مفاتيح طموحاتهم وطموحات من ينتظرون خدماتهم وإنجازاتهم لمن هم يخلصون فقط لطموحاتهم الشخصية ويجيدون لعبة ومهارة توجيه الآخرين نحو مقصد بوصلتهم أو اتجاه فكرهم ومسالكهم، أتعب نفسك في اختيار الأكفاء بناء على معايير موضوعية وتخلص من عواطفك أو انطباعاتك التي قد تعجل بمغادرتك غير مأسوف عليك.
- لو ظننت أنك وزير بإمكانات سوبرمان ومن ثم تستطيع أن تفعل ما تريد دون دعم ومساندة من حولك فأبشرك بقرب نهايتك، لو بحثت عن سر نجاح الآخرين ستجده في فريق العمل؛ ففي الوزارة أو الشركة أو في المدرسة أو في الجامعة ينجح وينتصر من يبني فريق عمل وفي بناء فرق العمل أساليب ومناهج أتمنى أن يسمح وقتك الثمين بالاطلاع عليها.
- ترتكب خطأ جسيماً إذا سارعت بهدم ما بناه سلفك لتبدأ من نقطة الصفر، تأمل ما قام به، استبعد ما لا يتناسب مع توجهاتك وأبق على ما يتوافق معها. هناك أشياء تستحق الهدم وهناك أشياء تستحق الترميم وهناك أشياء عليك أن تتركها كما هي.
- العميل ثم العميل ثم العميل، لعلك تستغرب هذا اللفظ وتفضل عليه وصف المواطن، لا هو عميل وكفانا استخدام وصف المواطن فقد استخدمه كثيرون قبلك وكانوا يزينون به خطبهم وأحاديثهم ثم يديرون له ظهورهم، جرب أنت النظر إليه باعتباره عميلا تتبادل معه المنافع، تقدم له ما يشبع احتياجاته ويقدم لك هو الدعم والمساندة وعبارات الثناء على تويتر وقنوات التواصل الاجتماعي، ولا شك أن هذا أمر يهمك، هو سيد السوق الآن يمتلك القوة والمعلومات والبدائل المتعددة ومن ثم عليك أيضاً أن تنصت له وتستجيب وإلا فلن يرحمك ولن تستطيع بسهولة صد هجومه وشكواه وتذمره. أقترح عليك أن تبحث وتستقصي لاستكشاف مطالب ومشكلات ومقترحات وأولويات عملائك وواقعهم الراهن، هذا الفعل سينير بصيرتك ويكشف لك الطريق نحو عقولهم وقلوبهم، ستكون أنت أول وزير يوجه هذا السؤال لمواطن – أقصد لعميل – عزيزي العميل من أنت؟ وماذا تريد؟
- تعلم من وزراء أذكياء وإن كانوا نادرين أدركوا أن الإدارة بالتجوال هي أهم أسرار النجاح فتحركوا بعيداً عن مكاتبهم، عاينوا بأنفسهم واقع من يخدمونهم، تفاعلوا معهم وعرفوا منهم ما كان مستحيلا أن يعرفوه لو ظلوا هناك في أبراجهم العاجية وعلى كراسيهم الوثيرة. تحرك واستطلع بنفسك حينها لن يجرؤ أحد من ضعاف النفوس على تغذيتك بمعلومات مضللة عن واقع تشهده أنت بنفسك.
- استعد نفسياً قبل كل شيء لمواجهة المنتفعين ومحترفي الفساد، فهؤلاء قادرون على تحطيمك تماماً لو وجدوا فيك ضعفاً أو هوى في النفس أو نجحوا في اكتشاف واستغلال ثغراتك وهفواتك، تعامل معهم بذكاء من البداية.. اضرب بقوة حتى ولو كلفك هذا منصبك فما ستجنيه سيكون أعظم وأشرف من كل المناصب.
- تجنب المركزية القاتلة واحذر أن تكبل وزارتك والعاملين فيها وعملاءها بقيود المركزية، ستتحرك وزارتك مثل السلحفاة ولن يسعفك الوقت لتصحيح الأوضاع، ادرس وحدد وفوض كل ما يستحق التفويض ستواجه صعوبات بكل تأكيد، خاصة مع هؤلاء التقليديين هواة جمع السلطات ولكن بالتوجيه ثم الإلزام سيسيرون على دربك.
- حفز موظفيك وقرب الأكفاء منهم واصنع فوارق واضحة ومشروعة بين من يعلم ومن يجهل ومن يجتهد ومن يتكاسل، اشحنهم بوقود التحفيز المادي والمعنوي وسترى منهم ما لا تتوقعه.
- أخيرا.. لا تنتظر كثير ممن بلغوا من العمر عتيا أو ممن لا يملكون جديداً يقدمونه أو ممن توقفت أفكارهم وتوجهاتهم عند حدود زمن مضى بلا عودة، استفد منهم في حدود ولكن ارم حملك على الشباب فهذا هو عصرهم وهم الأكثر قدرة على التعامل معه. هذه فرصتك لتترك أثرا وتخدم وطنا فلا تضيعها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢١) صفحة (١٠) بتاريخ (١٢-٠٥-٢٠١٦)