أمجـاد آل نَصر

انتقلت الباخرة مُحملةً بالمسافرين وأمتعتهم الثقيلة في رحلة تستغرقُ واحداً وعشرين يوماً من أرض الجزر الحالية إلى أختها الجزيرة المقابلة.
افتقد المسافرون خلال هذه الأيام الجيران وصباحاتهم البهية، والسؤال عن الحال، والجلسة على الطرقات، كما افتقدوا أيضاً متعة ممارسة الهوايات الجميلة، والنحت والرسم، فليس من بقعة على الباخرة تتسعُ إلى الحياة والفن، وليس هنـاك من ليلٍ هادئ، يُتيح لهم فرصة النوم، أو تأمل النجوم دون ضوضاء الموج المتلاطم.
ولعل هذا الموج أكثر ما كان يُقلق المسافرين؛ فهل نقاوم الموج ونصل؟ هل يحملنا الموج إلى مقصدنا؟ أم يقفُ عائقاً دون الوصول؟
هل ستصمدُ الباخرة بهذا القدر من الحمولات الثقيلة، أم ستنتفضُ باكية وتُلقي ببعض ما في داخلها إلى داخل بطن البحر؟
إن كل مرحلة من مراحل الحياة هي جزيرة، نعيشُ على أرضها بُرهةً من الزمن، ثم ننتقل بعدها إلى جزيرة أخرى، قد يكون الانتقال سعيداً، وقد تتشابه الجزر، وقد تختلف، أو تأخذ كل جزيرة شيئاً من أختها.. ولكنها لن تتوافق بالتمام، قد تكون الجزيرة المقبلة أفضل من سابقاتها، وقد تكون السابقة أفضل من اللاحقة، لذلك يُحتَّم علينا أن نعرف أين نحن الآن؟ وما هي مميزات هذه الأرض؟ وما هي الأرض المقبلة التي نضع خطواتنا عليها لندرك جيداً ماذا يجب أن نحمل معنا وماذا نترك؟
كما يجب أن نضع دوماً في الأذهان أنَّ مرحلة الانتقال مهمة لتحقيق مبدأ التكامل الإنساني، وأن الوصول إلى جزر جديدة يُلهم الإنسان، ويعزز منه، وأن مثل هذه الرحلات ليست متعبة بالقدر الذي نتصورهُ في أذهاننا. قد تُكلِّفنا شيئاً من التعب، شيئاً من الأرق، شيئاً من الاضطراب الذي يشبه الموج المرافق للرحلة، ولكن حتماً جمال الجزر الجديدة، وشروق الشمس عليها كفيلان بإلهامنا نعيماً ننسى به مشقة العناء الذي تكبدناه بين الجزيرتين.
«أتمنى لكم جميعاً رحلات آمنة».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢٢) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-٠٥-٢٠١٦)