بحسب معرفتي فإن غالبية الأكاديميين في الجامعات العريقة على مستوى العالم مستواهم المعيشي متوسط أو دون المتوسط، أما لماذا فلأن الدكتور منهمك من ساعات الفجر حتى نهاية النهار في عمله الأكاديمي تدريسا وبحثا وتنقيبا في أمهات الكتب، سواء كانت ورقية أم إلكترونية من أجل تقديم معلومة جديدة ومفيدة لطلابه، تاركا مسؤولياته الحياتية الأخرى كتسديد الفواتير أو تجديد رخص القيادة أو غيرهما إلى مكاتب خدمية توفرها الجامعة احتراما للرسالة العظيمة التي يقدمها، وتقديراً للعقول المضيئة التي ترفع من الشأن الاجتماعي والثقافي والعلمي. فالحاصلون على درجة الدكتوراة يعدون كنوزاً معرفية لأي مجتمع من مجتمعات الدنيا، ومرتكزات مهمة من مرتكزات التنمية الفكرية والعلمية، ويعوّل عليهم في كثير من شؤون الحياة، من خلال قدرتهم على البحث العلمي وطرح الرؤى والاقتراحات والتوصيات، علاجا للمشكلات التي يعاني منها المجتمع، فالمشكلات التنموية والاقتصادية والاجتماعية لا يمكن حلها بشكل عشوائي بل تحتاج إلى جهود بحثية وخبرة وطرح ميداني واستبانات توزع على شرائح المجتمع ومن ثم الوصول إلى فرضيات متعددة تخضع للتحليل والتدقيق ومن ثم الاتفاق على فرضية تكون الحل الأنسب، ولو وضعنا مقارنة بين الدكاترة الذين يحترمون مهنتهم بإخلاصهم وأمانتهم وتكريس جهدهم من أجل الطالب، وبين الفئة الثانية من الدكاترة الذين ينافسون رجال الأعمال في فتح المؤسسات التجارية واللهاث في تنمية ثرواتهم من خلال ممارسة أعمال أخرى لا تمت للعمل الأكاديمي بشيء ولا تتوافق مع العمل التدريسي، على اعتبار أن الدكتور يجب أن يخصص وقته ويفرغ ذهنه لعمله الحقيقي، بحسب أنظمة الجامعات، ولا أدري لو قامت جهة علمية بتقديم دراسة عما آل إليه وضع الأكاديميين في جامعاتنا السعودية في هذا الشأن وطرح السؤال الرئيس هل هم متفرغون لقاعات الدرس؟ وهنا يجب أن تسن القوانين الصارمة بعدم السماح للأكاديميين ممارسة أي نشاط تجاري مع ضرورة توفير مكاتب خدمات تنجز احتياجاتهم الحياتية، أما لماذا ففي ظني أن قاعة الدرس هي الأهم، فالمنتج الذي هو الطالب ينبغي أن يأخذ حقه كاملا دون انتقاص ومتى تحقق ذلك فسوف تتسابق جهات العمل من مؤسسات حكومية وقطاع خاص في استقطاب الأفضل، من أجل الاستفادة منهم، ولن يتحقق النجاح إلا بتكامل المنظومة وترابطها بين الطالب والدكتور والجامعة، ومتى كانت المدخلات قوية وثرية فإن ذلك ينعكس بطبيعة الحال عل المستوى العام للخريجين. كما أن تهيئة فرصة تفرغ الدكاترة للبحث العلمي، يزيد من قيمة الجامعة ويرفع شأنها باعتبار البحث العلمي أحد أركان المعرفة الإنسانية وتساهم في سد الفجوات العلمية والثقافية بيننا وبين العالم المتقدم، ويمكن القول بأن جامعة بدون بحوث علمية تعد مباني إسمنتية، لا مراكز تنوير للمجتمع.
وفي هذا المقام وددت الإشارة إلى موقف، حدّثنا عنه بروفيسور الجغرافيا الطبيعية يوسف فايد، حيث إن جامعة الملك عبدالعزيز حين أرادت التعاقد مع دكاترة لقسم الجغرافيا، كخطوة أولى تم تحديد الكفاءات العالية من خلال منتجهم العلمي، وكان الدكتور علي مغرم وقتها ممثلا للجامعة وأثناء وجوده بمكتب مدير جامعة عريقة بمدينة القاهرة ليختار الأسماء التي ترغب الجامعة التعاقد معهم، لينضموا إلى زملائهم في القسم، وكان من بين الأسماء المطروحة البروفيسور يوسف فايد الذي لم يكن يعرف أحدهما الآخر، إنما عرف به منجزه العلمي المميز هنا نلحظ بأن خطوات اختيار الأكاديميين، خطوة مهمة من أجل انتقاء الكوادر الأفضل والأميز، الذي يحدث أن بعض اللجان تذهب (على عماها) ويتم الانتقاء بطريقة لا تحقق رضا المستفيد فيكون المنتج هزيلا وهذا الذي سبب الفوارق بين الجامعات وجعل جامعات تتسنم سلم النجاح في حين جامعات أخرى تراوح في ذيل القائمة بسبب إخفاقاتها الناجمة عن سوء إدارتها، علما بأن الميزانيات متقاربة، مما يؤكد الدور الطليعي والمهم للقيادات الجامعية في الارتقاء بجامعاتهم.
أما الذين خارج الجامعة فلهم حرية المقارنة والإشارة إلى مكمن الخلل، وهذا الذي يجب أن يفطن له ممن أسندت إليهم المسؤولية بالتنبه لما يجري في جامعتهم، كي لا يدفعوا إلى سوق العمل من يعيقون التنمية لضعف قدراتهم وإمكاناتهم والسبب تتحمله الجامعة الخاملة لا غير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠٥-٢٠١٦)