عباس المعيوف

عباس المعيوف

من البرامج التي لها صدى وحضور عالمي هو برنامج «الواتساب» للمؤسس الأوكراني جان كوم، ذلك الشاب الذي هرب مع والدته من ويلات الحرب والانشقاقات السياسية وهو ابن 16 عاماً. تعود أصول كوم إلى اليهودية. استقر في الولايات المتحدة الأمريكية، ودرس في جامعة سان خوسيه للعلوم التكنولوجية، ورغم الوضع المادي السيئ اضطر للعمل في أرنست ويونج. وبعد ذلك عمل في شركة ياهو. ثم قدم على طلب عمل في شركة الفيسبوك ولكنها رفضته ومنها بدأت شرارة الإبداع بالانطلاق وكانت في حينها لـ جان كوم تغريدته الشهيرة التي قال فيها عبر تويتر عام 2009 (فيسبوك رفضتني، كانت فرصة عظيمة للاتصال بأناس رائعين، أتطلع إلى المغامرة القادمة في حياتي».
كانت البداية لبرنامج الواتسآب غير موفقة؛ حيث واجهت عديداً من المشكلات الفنية والتقنية وكان يصعب تطبيقه على الهواتف الذكية. لم يدم الفشل طويلاً حتى جاءت المساعدة عبر شركة أبل 2009. ما يميز البرنامج هو خاصية الرقم المباشر وتفعيل الدردشة المباشر مع الآخرين، وبعد ذلك تم إضافة خدمة القروبات والمجموعات، وبدأت 30 ووصل العدد الآن 256 وهو متوفر في الرسائل الجماعية.
ما معنى «الواتساب»؟ هناك أكثر من كلمة لها معنى بالكلمة مثل ماذا دهاك؟ ما الأمر؟ عسى ما شر؟ «وش اللي حاصل»؟ ولهذا سميت تبادل الرسائل «واتساب»؛ لأن الناس يخبرون بعضهم بما يحصل ويخبرون بعضهم بعضاً بما يجري من أحداث وأخبار، طبعا الاستخدام يختلف من شخص إلى شخص آخر، فبعضهم يؤسس القروبات التخصصية وبعضهم يرغب في المشاركة في القروبات العامة.
في صفقة وصلت قيمتها إلى 19 مليار دولار استحوذت فيسبوك على خدمة «واتسآب» التي تملك نحو 450 مليون مستخدم نشط شهريا، أي أن فيسبوك تقدر قيمة كل مستخدم بنحو 42 دولار. وبحسب الصفقة ستظل «واتساب» تعمل بشكل مستقل. ومن الحقائق المذهلة عن الواتساب وصول عدد الرسائل اليومي لـ أكثر من 10 مليارات.!! والعدد في ارتفاع مستمر.
وفي دراسة أجريت في جامعة «رنو» للتقنية في التشيك دراسة مفصلة على عديد من خدمات التواصل، ومن أبرزها «واتسآب» استعمل الباحثون في دراستهم أداة متطورة طوروها بأنفسهم لفك شفرة الاتصالات بين هاتف ذكي يعمل بنظام «أندرويد» وخدمة «واتسآب» للتواصل. وأكدت الدراسة أن التطبيق الشهير يقوم بتسجيل تفاصيل المحادثات التي يجريها المستخدم وتخزينها على الخوادم الخاصة بالخدمة. وأقر الباحثون بصعوبة اختراق الخوادم الخاصة بخدمات التواصل، لكن هذا لم يمنعهم من إبداء تخوفهم من حدوث اختراق مستقبلا.
استطاعت شركة الواتساب تحديث البرنامج وتطويره، ولربما أبرزت الأخيرة خاصية هي تشفير المحادثات والمكالمات الصوتية لجميع المستخدمين، ويُعتبر هذا النوع من التشفير آمنًا للغاية ويصعب اختراقه ويسهم في حماية الأشخاص من الجرائم الإلكترونية والقراصنة والسرقات المعلوماتية، كما وفرت قبل فترة خدمة الاتصال المرئي والمسموع، ومازالت هذه الخدمة متوقفة حتى إشعار آخر؟!
برنامج الواتساب برنامج خطير، وهو تحت المراقبة المستمرة، ويتطلب من صاحبه اليقظة والحذر في كل ما يرسل ويكتب؛ لأنه مرآة المستخدم وعنوان لكلامه، فكم من مشاركة أودعت صاحبها في غياهب السجن، وكم من مشاركة أسهمت في إبراز نجوم لامعة في سماء الإبداع في مواقع التواصل الاجتماعي.
من النصائح التي نراها في غاية الأهمية في هذا المجال، عدم الاشتراك في قروبات لا تعلم ما هو الهدف منها، اختيار شخصيات لهم حضور ثقافي وعلمي، الابتعاد عما يطرح من المواضيع التي تمس سياسة الدولة والتعاطف مع دول خارجية، النقد غير المبرر للمؤسسات الدينية وإثارة السخط عليها، الحذر من الحديث مع الأسماء المستعارة التي ترفض الإفصاح عن نفسها، ليكن الواتسآب هو رقمك الرسمي وليس باسم آخر. حدد لك وقتاً للمتابعة من 24 ساعة، ولا تعطي للآخرين مجالاً للحديث عنك بوجودك متصلاً 24 ساعة؛ فهذا يعطي مؤشراً أنك تملك فراغاً كبيراً إلا إذا كان لغرض تجاري أو برنامج استشاري أو ما شابه. تحديد الوقت له متعة للمتابعة اليومية بشرط أن لا تتجاوز 4 ساعات. فنحن لا ندري كم يستهلك الواتساب من وقتنا -مع الأسف- كثيراً كثيراً كثيراً!!. لقد أسهم في قتل متعة المجالس فأصبحت مملة كئيبة لا تجد من تتحدث معه، دعونا نعيد الحياة لأنفسنا ولأسرتنا ولمجالسنا ونتبادل أطراف الحديث.. كما كنا سابقاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠٥-٢٠١٦)