بالرغم من مكانة كثير من الأعضاء وعلو ثقافتهم إلا أنهم ينكشفون وبسرعة في هذه المجموعات إما بعدم تقبلهم النقد أو بسرعة غضبهم وتخوين الآخرين واتهامهم بعدم الوعي، ولذلك تجد بعضهم يعتذر عن الدخول في هذه المجموعات بحجة الانشغال أو كثرة المجموعات التي لديه.

أصبحت وسيطة «الواتساب» إحدى الوسائط الاجتماعية المهمة التي من خلالها تكونت مجموعات عائلية ومجموعات مهنية وأخرى شللية، وأصبح كثير من الناس يُعبر عن ذاته ويجدها عبر هذه الوسيطة السهلة التعامل.
تكونت عبر «الواتساب» مجموعات أرى أنها مفيدة ورائعة خاصة إذا كانت مجموعات ذات تخصص وتوجه معين، فهناك مجموعات كثيرة للكتّاب والمفكرين والمثقفين يتبادلون الآراء ويعرضون منتجاتهم الفكرية سواء كانت مقالات أو كتباً أو ندوات أو مقابلات فضائية، وأصبحت أغلب تلك المجموعات تشبه الصحف الإلكترونية التي تنقل لك الخبر السريع، ولكن هذه المجموعات يكون فيها النقل مع التحليل والتعقيب.
وسيطة «الواتساب» غذّت الذات الوهمية لدى بعضنا وأصبحت التغذية الراجعة لدى كثيرين عالية جدّاً ولذلك نراهم يجدون أنفسهم محققين غاياتهم التي يسعون لها، والمثال هو «أن يضع أحد منهم فكرة أو رأياً أو مقالاً له أو أي شيء يتعلق به فتجد أن بعض المطبلين يُشيد ويصفق بما كتب أو بما شارك به وهو ربما لم يقرأ المقال أو لم يسمع حتى المشاركة ولكنه أشاد به وأُعجب به، وهذه الطريقة تغذي الذات الوهمية لدى بعضنا وتشعرهم أن مشاركاتهم وتعليقاتهم جميلة ورائعة، أضف إلى ذلك إلى النفسية السيئة التي يتحلى بها بعض من الشخصيات خاصة الذين لا يتقبلون النقد الهادف، فعندما ينتقده أحد في كتاباته أو في فكرته فكأنه شتمه أو نال منه، فيحدث الاختلاف والخلاف ومن ثم مغادرة المجموعة وبعدها يتوسط مسؤول المجموعة بالكتابة له على الخاص بأمل إقناعه وإعادته مرة أخرى وهكذا، كذلك هناك بعض المجموعات التي لا تراعي الذوق العام في ما يتحدثون به، فترى بعضهم شاطحاً إلى أقصى اليمين وبعضهم شاطحاً إلى أقصى اليسار دون توازن أو مراعاة للشخصيات الموجودة معهم، وتجد بعضهم بجمال وسطيتهم واعتدالهم يحققون التوازن في كثير من المجموعات، حتى أن الأغلبية يحافظون على وجود مثل هؤلاء برغم قلة مشاركاتهم بسبب اتزانهم ورويتهم، وقلما تجد مجموعة من مجموعات «الواتسآب» خالية من الاختلافات الفكرية أو من التعصب للرأي الواحد، فبالرغم من مكانة كثير من الأعضاء وعلو ثقافتهم إلا أنهم ينكشفون وبسرعة في هذه المجموعات إما بعدم تقبلهم النقد أو بسرعة غضبهم، ولذلك تجد بعضهم يعتذر عن الدخول في هذه المجموعات بحجة الانشغال أو كثرة المجموعات التي لديه خوفاً من انكشاف شخصيته أمام الآخرين، وهذا الأمر من حق أي إنسان لأنه هو الذي يقيس مدى شخصيته ويعرفها جيداً، كما أن بعضهم يعاني من تكرار الأسماء التي معه في كثير من المجموعات فتجده يقرأ نفس المواضيع التي تعرض بتلك المجموعات وهذا شكل عائقاً كبيراً لدى بعضهم مما يجعله يضطر إلى مغادرة بعض المجموعات تخفيفاً عنه وعن هاتفه.
وهناك بعض المجموعات الفكرية تقوم بعمل جميل ولو أنه متعب نوعاً ما، وهو استضافة شخصية فكرية من خارج المجموعة في ليلة من ليالي الأسبوع يتفق عليها الأغلبية لأن الاتفاق الكلي مستحيل، ويتم تعيين مدير أو مديرة للحوار يستقبل الأسئلة من الأعضاء ومن ثم يبدأ في عرضها على الضيف إذا بدأت الأمسية، أو يتم اختيار شخصية من داخل المجموعة يتم النقاش فيها في نفس تخصصه ليفيد ويستفيد، ومثل هذه الأعمال هي المطلوبة بين مجموعات «الواتساب» لأنها تصب في مصلحة الأعضاء وتفيد كثيراً منهم خاصة إذا كان تخصصه أو تخصصها نادراً، كما أن النقاشات المتعددة والمثيرة تكوِّن عائداً مفيداً لأغلب الكتاب فهم يجدون مواضيع يتم مناقشتها ويقاس مدى جودتها من عدمها من خلال ردود أفعال الأعضاء، وقد يتبنى بعضهم مثل هذه المواضيع كمقالات تصاغ بطريقة الكاتب وتصبح موضوعاً يُطرح للنقاش للرأي العام.
كما أن هناك عديداً من الأشخاص حاولوا الخروج من الرسميات والحديث عن الفكر والثقافة وتبنوا إنشاء مجموعات تختص مثلاً بالسياحة والسفر فقط وتقتصر هذه المجموعة على إرسال الصور الجميلة لمناطقنا السياحية أو مناطق من خارج المملكة، وتبادل الرأي في الأماكن السياحية والأسعار والأماكن الأثرية التي يجب زيارتها، وهذا أفادني كثيراً، وهناك من خرج بمجموعات تسلية الهدف منها الابتعاد عن المناقشات الفكرية والجدلية، وإنما وضع النكات التي لا تخرج عن الذوق العام دون أي تعليق، ولذلك تكون هذه المجموعة فترة الروقان وسعة البال والابتعاد عن الجدية فيما تذهب إليه بعض المجموعات، والاستمتاع بما يتم عرضه من النكات الجديدة والقديمة.
ختاماً، وسائط التواصل الاجتماعي خدمتنا خدمات كبيرة خاصة بين العوائل والأصدقاء، فأصبح المسافر كأنه بين أحبابه وأهله يُصبحهم ويُمسي عليهم ويُصور لهم تنقلاته فيصبح كأنه بينهم، كما أنها خدمتنا كثيراً في التعرف على شخصيات فكرية وثقافية لم نكن نستطيع التعرف عليها دون هذه الواسطة الجميلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢٥) صفحة (١١) بتاريخ (١٦-٠٥-٢٠١٦)