(ادعيلي وسامحيني لو صار لي شيء)؛ رسالة وداع يومية من معلمة لأختها عند باب البيت؛ رسالة تخنق الأنفاس تصاحبها نظرة وداعية، ومعلمة أخرى تعيش حالة اغتراب في جيزان وزوجها يعمل في الجبيل وأبناؤهما في الأحساء، وهكذا تتوالى القصص؛ لتصوّر واقعاً حقيقياً نعيشه في مجتمعنا مع مَنْ حولنا، ولكن كما يقول اللورد بايرون: (الحقيقة دائماً أغرب من الخيال) و كثير يحب أن يعيش في وهم الخيال والإفراط في التفاؤل وانتظار الفرج.
الكاتبة بشائر محمد استطاعت عبر رواية (مغتربات الأفلاج) أن تجسّد شيئاً من هذا الواقع، وهي قد عاشته وعانت منه، واليوم إذا به عملٌ درامي في حلقات معدودة يحكي جُزءاً من حياة آلاف المعلمات المغتربات الممتدة لسنوات وسنوات، واستطاع المخرج سائد الهواري أن ينقلنا إلى مشاهد محسوسة المشاعر لامست شغاف القلوب، وعلى الرغم من أن الممثلات خليجيات، إلاّ أنهن استطعن الاندماج في الدور بطريقة سلسة ومقبولة، واختيار مكان التصوير جعل من العمل تحفة فنيّة من حيث ارتباطه بواقع القرى النائية، فكان المنزل القديم ببساطته يشكّل بُعداً نفسياًّ وتصويرياًّ لحقيقة الحال.
من المعروف أن الدراما الناجحة هي التي تصوّر الواقع بصدق، طبعاً لن تكون مُبهجة وسعيدة مادام الواقع مأساوي، وقد وصفت الأديبة فاطمة إلياس المسلسل فقالت: (هو تجسيد تراجيديا المعلمات الموجعة، بنكهة الإسفلت الصامت، عن أوجاع العباءات التي مرت به، والأجساد التي احتضنها). يقول بكاسيو: (نعرف جميعاً أن الفن ليس الحقيقة، ولكنه يجعلنا ندرك الحقيقة)، وليس شرطاً أن تشفي الحقيقة روحاً مجروحة؛ ولكن الإحساس بالألم هو أول سُبل إدراكها وطريق لعلاجها.
تعرَّض العمل لحملات نقد صارخ، جزءٌ منه عائدٌ لموقف البعض من القناة، ووصل الأمر لدرجة إنكار واقعية الطرح وربطه بالطائفية المقيتة بسبب ظهور صور إيجابية للتعايش الإنساني بين المعلمات المتباينات في المذهب، وهُنّ في النهاية (مواطنات مسلمات) يؤمنّ بالله وبرسوله وبالقرآن ويتجهن في الصلاة لقبلة واحدة! فالتعايش حقيقة حتمية لحياة البشر، و(طريق المعلمات) دراما صاغت حقيقة الواقع التي كانت على البعض بمنزلة الصاعقة، والتي حتى وإن أُخرست ودُفنت تحت الأرض فسوف تَنْمو وتُنبِت، وإنَّ مَنْ يتهجّم على الحقيقة فإنما يخدمها كالذي ينصرها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢٥) صفحة (١١) بتاريخ (١٦-٠٥-٢٠١٦)