عزة آل محمود

من أجمل النقاشات تلك التي تكون مع الذات، وهي تمتلك صفة الجمال، لأن نتاجها يكون فلسفة خاصة، ففي يوم من الأيام حدث نقاش وتساؤل في جو من الهدوء، وماهي إلا لحظات، حتى حضرت فكرة، معجبة بذاتها فأزاحت الهدوء بكلتا يديها، لتشغل كامل المكان، فتحيل نفسها إلى فلسفة، تعمم على كامل الفكر، كان موضوع هذا النقاش «كيف يمكن لمن يعمل بمهنة التعليم سواء في التعليم العام أو الجامعي القيام بإدارة العملية التعليمية وبالتحديد إدارة الطلاب والطالبات»، المهمة ليست بالأمر السهل كما يظن كثير ممن يعمل بهذا المجال، فعليها يتوقف تحقق غايات وأهداف التعليم، كنت أكرِّر الحديث عن هذه الفلسفة حول إدارة الطلاب والطالبات عن قناعة تامة، أثناء التدريب واللقاءات التربوية وحلقات النقاش الخاصة والعامة، ولكن لم أستطع الجزم بأنها حقيقة لا تقبل الشك أو الاستثناءات، إلا عندما أصبحت طالبة دراسات عليا، فرأيت فلسفتي أصبحت واقعاً ماثلًا أمام ناظري، هذه الفلسفة الخاصة تقول إن «إدارة الأستاذ لطلابه تتكوَّن من ثلاثة فروع وهي: إدارة الذات، وإدارة العلاقة وإدارة العلم «فإدارة الذات» هي إدارة مزيج من الأمور المتعلقة بذاته وشخصيته كأستاذ، من الإيمان بالله وأخلاق سيدنا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- من صدق وكرم وتواضع وأمانة، وحسن المنطق ورقي الحديث ونغمة الصوت، والوقفة والحركة، والاهتمام بالمظهر الخارجي والتأنق بما يليق بالمكان والعصر، والطموح والإيجابية والمبادرة وتحمل المسؤولية والثقافة التي تظهر بوضوح في كل مكونات شخصيته، هذه الإدارة تخترق نفوس الطلاب الشفافة فتعكس نسخاً جميلة من ذات قادرة، و«إدارة العلاقة» هي إدارة خليط من المهارات والعمليات الموجهة من وإلى الطلاب، وتتمثل في مهارات التعامل وفنونه وأدوات الاتصال والتواصل وعمليات التأثير على الطلاب ورسائل الحوار الهادف والمنظم، فيبني من هذا الخليط المميز جسور الود والتقدير، بين المتعلم وبين العلم والعالم، لتستمر ما بقيت الحياة، والثالثة «إدارة العلم» وهي القدرة والتمكن والاحتواء العلمي للمادة العلمية، وطرق وأساليب تخطيطها وتنفيذها وتقويمها، وما يتبعها من إظهار وتطبيق لإنجازاته العلمية المتطورة والمتجددة بتجدد العصر، فكل ما يمتلكه الأستاذ من العلم، وتطبيقه لهذا العلم بفاعلية وكفاءة، يضمن لطلابه تحالفاً استراتيجياً مع المادة العلمية من جهة وتحالفًا مبنيًا على أيديولوجية قوية مع الكفاءة العلمية لأستاذهم.
وأخيراً.. نقول وبناءً على الفلسفة الخاصة، إن أفضل من يُقيِّم عملية إدارة الطلاب ليست الجهات المشرفة على عمليات التقويم وإنما أولئك الطلاب الذين يقفزون على خطوات أستاذهم شيئاً فشيئاً حتى يستطيعوا التحليق في عالم العلم، المملوء بالرؤى والتطلعات الاستشرافية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٢٨) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-٠٥-٢٠١٦)