عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

تعيش البشرية اليوم على صفيحٍ ساخن، وفي أتون بوتقة من الضياع والتمزق، فالبشرية إذاً تعيش في «دياجير» ظلام حالك السواد، وفي دهاليز ضلال بعيد الغور..فالذات البشرية اليوم مهترئةً مقطعة الأوصال، ولن يكون لها مخرج من هذا التيه إلا بشيء واحد ليس معه شيء آخر يذكر، وهذا الشيء هو التمسك بأطناب وحي السماء. إن البشرية اليوم يعتصرها الخواء الروحي والفقر المعنوي، وأن الحل الحاسم لتعيش في أفق رحب هو الارتماء في أحضان الإيمان، فهو الحل لحسم لمشكلات المجتمع البشري بأسره. لن يتأتى الهدوء والسلام والوئام إلا بامتطاء صهوة وحي السماء، والعودة الصادقة إلى الإيمان، ولكن ليس ذلك الإيمان الذي يردده السلف إلى الخلف دون وقوف القلوب عليه. بل يكون إيمانا نابعا من شغاف القلوب. إن العلم المادي البحت اليوم قد جرف البشرية إلى محاضن الكبرياء والتعالي على رب السماء، فالبشرية اليوم مبهورة فيما حققته من انتصار حضاري ولكن هذا الانتصار صحبه بعد عن منظومة القيم، وأصبح ما لديها من نتاج حضاري غير محمي بالقيم والمبادئ عالة على ظهرها. فالبشرية اليوم في سعار عنيف ونضال مستمر من أجل أن يعلو كعبها في مضامير العلم الذي لم يفضِ لمعرفة رب هذا الكون. إن المجتمع البشري لن يسعد وبتعبير رياضي إلا إذا رفع بصره إلى رب هذا الكون. وإلا ستبقى البشرية أسوأ حالاً من الحيوان والأنعام، فالله تعالى يقول عندما تتمرد البشرية على وحي السماء (إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً). إن المجتمع البشري اليوم ينكأ جراحه بسبب بعده عن الإيمان المحض، ولن تتبلسم جراحه إلا بالعودة إلى حظيرة الإيمان، وإلا سيبقى كالريشة في مهب الريح، ما من ساكنة ولا خافقة إلا وتعصف به. لن تجد البشرية ملاذاً آمناً وأهدأ سبيلاً من هدي الله، يقول الله عن هذا الهدي (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ..) إن النأي عن هذا الهدى معناه الضياع المحتم في دهاليز الضلال، واقرأوا معي إن شئتم قول الحق تبارك وتعالى (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) إنه في هذا الكون ما شوهدت من ذاتٍ إنسانية معتدلة المزاج سليمة النهج إلا لأنها اقتربت من وحي السماء، والعكس صحيح، فما شوهدت ذات إنسانية طوح بها الضياع إلى مهاوي الردى إلا لأنها نأت عن هدي السماء. دعوني أقول لكم شيئاً مهماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى..إن من يأتي الله يوماً طوعاً سيأتيه بلا شك يوماً كرهاً. وثمة بون شاسع ممن يأتي الله طوعاً ممن يأتيه كرهاً.. فمن يأتيه طوعاً فطريقه قصير المدى، لا عثرات فيه، ومن يأتي الله يوماً كرهاً فطريقه كله عثرات.. لأن من يأتي الله كرهاً يتحتم عليه قطع طريقين – طريق التوبة ثم طريق الاستقامة – إن الرفاه والفيض الذي تنشده البشرية مرهون بحسن العلاقة مع رب هذا الكون، وما من شيء إلا هو بيده، وما على البشرية سوى طاعة الله. يقول عيسى عليه السلام «اطلبوا ملكوت الله وبره وكل الأشياء تُزاد لكم» وما بر الله إلا طاعته. ويقول الإمام علي كرم الله وجهه في نهج البلاغة «يا ابن آدم لم أخلقك لأربح عليك بل خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلاً من كل شيء أعطيك كل شيء» إن أهم اكتشافات علم النفس الحديث اليوم هو أنه لا سعادة للمجتمع البشري إلا بالالتجاء إلى رب هذا الكون، وما سوى ذلك إلا سراب بقيعة، ولا أخال أحداً ينكر ذلك. إن الله تعالى لا يعوزه شيء فهو رب كريم غني لا يريد منا إلا الطاعة المحضة لنعيش في أحضان السعادة. والله قد ابتلى بعضنا ببعض، فهذا غني وذاك فقير، ولكن هذا غني في كذا، وذاك فقير في كذا.. فما يريده الله منا إلا أن يجد على أرضه غنيا شاكرا وفقيرا صابرا – غنيا يفيض مما أعطاه الله لمن احتاج في كذا، وفقيرا يبارك لمن أعطاه كذا،، فهو يريد غنياً شاكراً وفقيرا صابراً، فلا يريد غنياً فاسقاً ولا فقيراً قانطاً.. إن وحي السماء الذي تحيل رسل الله البشرية إليه فيه صلاح الدين والدنيا معاً، فالله في وحيه الطاهر يقول (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) إذاً لن تنال البشرية هذين الخيرين إلا بمعرفة ربها تمام المعرفة. إن الله تعالى يميز بين من اتبع الحق ونأى عنه، قال تعالى (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٣٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٢١-٠٥-٢٠١٦)