في حفلة الموت المؤجل ومزاد دمنا العربي تحتار وأنت تتخيل كيف يمكن أن تموت وأي أنواع الموت أهون؟ وأنت تردد بينك وبين نفسك اللهم أحسن خاتمتي فهل سيكون أسهلها عندما تسقط من مبنى مرتفع لتحلق وحيدا في الهواء بينما تنتظر إلى لحظة ارتطامك الحتمية بالأرض أم أن سقوطك مع آخرين في كارثة طائرة محلقة على ارتفاع يزيد عن ألف قدم سيكون أهون لتحقيقك مبدأ «الموت مع الجماعة رحمة» أم أن موتك في حادث سير أو على سرير مرض أو نتيجة لوجودك في دولة معبأة بالموت يسكنها القناصة الذين يصيدون حتى سلال الخبز المتدلية من النوافذ؟
إنك لا تستطيع سوى أن تتخيل هذه النهاية المقنعة التي تعتبر من أشد الحقائق إيلاما ولكننا نقبلها لأن ديننا الإسلامي الحنيف أيدنا بآيات الصبر وأجر الاحتساب والرضى بإرادة الله ولكن في دروس النهايات المؤلمة التي صرنا نتلقاها على مدار اليوم حكايات للموت الرخيص الذي يتفنن فيه من يدعي الإنسانية في ابتداع آله للقتل والبطش وعلى الرغم من رفع رايات حقوق الإنسانية ورفرفة أعلامها على مبانينا الشاهقة إلا إننا في كل يوم نسمع ما تقشعر له الأبدان من تنظيم داعش ومن تفنن المنظمات الإرهابية في ابتداع الموت بالحرق بالنار أو بالأسيد أو بإلقاء الأشخاص من فوق المباني العالية أو الإغراق أو الإعدام الجماعي بالذبح أو الرمي بالرصاص أو تفخيخ الأجساد أو رميها في أفران الفطائر واستخدام الأساليب الوحشية في القتل لبث الرعب في القلوب من خلال سيناريو أفلام مصاصي الدماء وبشاعتها التي ملأت عناوين الصحف بالموت الذي لا يستثني أحدا ولا يفرق بين الصغير والكبير على يد الذين تجردوا من معاني الإنسانية بعد أن غرقت أيديهم وضمائرهم في دماء الأبرياء ومبررات قتل البشر واختلاق الذنوب الجاهزة كي توقع عليها آلة القتل التي أخذت منحى الابتداع فماذا بقي للإنسان كي يظل إنسانا؟ كي يهدي موته لحياة الصغار ليدافع عن الأشجار المشنوقة في شوارعنا عن مساجدنا التي لم تخل من فخاخ القتلة فهل بقي شبر في خريطتنا العربية وتضاريسنا لم يتفنن فيه القتلة بصنوف الموت هل بقيت نافذة واحدة تطل على اخضرار مواسمنا ولا تشم رائحة المذابح هل بقي عشب لم تدسه أقدام المضللين الذين اغتالوا انبجاس الماء في دجلة والفرات وفي صحرائنا وموانئنا الحزينة؟
ماذا تريد أيها الإنسان وأنت تعلم يقينا أنك ماض إلى الموت بلا هوادة وأن موتك قادم علي يديك فالدم الذي سكبته من رقاب الناس سينسكب من دمك أنت وهذا وعد الله الذي بشر به القتلة فماذا تريد من تنكيس أعلام بلادك وإغراق حبات السنابل؟ ماذا تريد من قنص قلوب الياسمين وكسر إصرار رياحنا العربية القادمة من المستحيل الناهضة من مسافات التعب؟ أما آن لنا أن نأمن في بيوتنا؟
اتركوا لنا ظلا واحدا أو خيمة هادئة كي نستريح من الهزائم فلماذا ترسمون طريق الموت لجيلنا المقبل وخيولنا الراكضة ؟ أيها القتلة استريحوا بعيدا عن جراحنا وعودوا عن ظلم أمة بأكملها لن يطفئ إصرارها قبحكم وخذلانكم وستمضي نحو الحياة على بركة من الله أما أنتم فإلى مزبلة التاريخ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٣٥) صفحة (١١) بتاريخ (٢٦-٠٥-٢٠١٦)