* هل يحاكي الغنوشي بهذا التحول العمل على طريقة الأحزاب الغربية مثل الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، أم إن متطلبات المرحلة تفرض معادلات تكتيكية، تحتاج إلى جرعات غير تقليدية من أجل العودة إلى التموضع في مكان الأغلبية وليس في مقاعد المعارضة، كما هو الحال راهناً؟

لا يختلف اثنان على أن الخطاب السياسي لحركة النهضة، التي يتزعمها الدكتور راشد الغنوشي، يعتبر من أكثر الخطابات نضجاً بالنسبة إلى أحزاب جماعة الإخوان المسلمين في البلدان العربية، بل إن خطاب قيادة النهضة أخذ في التعارض مع الخطاب الأممي للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان رغم أن الغنوشي تبوَّأ مراكز قيادية متقدمة فيه، فقد وجَّه زعيم حركة النهضة قبيل انعقاد مؤتمرها في العشرين من شهر مايو الجاري خطاباً إلى القيادة الدولية للإخوان، حمَّلها فيه الانتكاسات التي حصلت في أكثر من قطر عربي بسبب تغليب الأممي على الوطني، والمفهوم الملتبس لمعنى الدولة والعلاقة المشوشة بين هذا المعنى وسطوة القيادة الدولية على المحلي الوطني.
في خطابه الافتتاحي لمؤتمر النهضة، كان الغنوشي واثقاً من أن العقل الجمعي لجماهير وأعضاء حركة النهضة قد نضج لتقديم «جرعة زيادة» في الانفصال عن العلاقة مع القيادة الدولية للإخوان، وطرح البديل، الذي رآه مخرجاً للمأزق الذي تعاني منه النهضة إزاء مفهوم الأغلبية التي لا تحكم في بلد يقر دستوره تداول السلطة سلمياً. تمثلت جرعة الغنوشي للحركة في الإعلان عن فصل الدعوي عن السياسي في حركة النهضة، واعتماد الحزب الديمقراطي الوطني الإسلامي بدلاً من شعار «الحاكمية لله»، الذي يسير عليه التنظيم الدولي، مستخلصاً الدرس المصري الذي وقع أصحابه في مطب، أزاح الجماعة عن السلطة في القاهرة عندما أرادت الاستيلاء على كل السلطات، وتوسيع قاعدة الموظفين في القطاع الحكومي من الجماعة، الأمر الذي قاد الى «تطيير» كل السلطات من قيادة الجماعة، والزج بهم في السجن.
ربما يتحول المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية إلى واحد من أهم المفاصل التي تمر بها الحركة الإسلامية في تونس والبلدان العربية، فقد كان راشد الغنوشي واضحاً في حديثه أمام جمهوره الغفير، عندما قال إن حركة النهضة «تطورت منذ السبعينيات إلى اليوم من حركة تخوض معركة من أجل الهوية إلى حركة احتجاجية شاملة، تدعو إلى الديمقراطية، إلى حزب ديمقراطي وطني مسلم متفرغ للعمل السياسي». في إشارة إلى تاريخ الحركة التي كانت تسمى الاتجاه الإسلامي مطلع سبعينيات القرن الماضي، وجاءت إثر إعادة فتح الدولة التونسية المجال أمام الإسلاميين لمواجهة المد القومي واليساري، الذي اتسمت به المرحلة تلك، رغم علمانية الدولة التي نادى بها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. الغنوشي أراد أن يميز حركته بثوبها «الجديد»، ويدرأ تهمة الإرهاب عنها حين أشار إلى شهداء الثورة، وسمَّى اثنين من القيادات اليسارية تم اغتيالهما، وهما شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وترحَّم عليهما، وذهب بعيداً بأن حركته بتوجهها الجديد «تكرس بذلك التمايز الواضح بين المسلمين الديمقراطيين الذين هم نحن، وبين تيارات التشدد والعنف التي تنسب نفسها ظلماً وزوراً الى الإسلام». ولم يتردد في التأكيد على «إننا جادون في النهضة على الاستفادة من أخطائنا قبل الثورة وبعدها، ونعترف بها. نحن حركة تتطور ولا تستنكف من أن تسجل على نفسها أخطاء، فنحن بشر». ولاشك في أن خطاباً كهذا من زعيم أكبر تنظيم تونسي جماهيرياً، لقي استحساناً وتأييداً من الرئيس التونسي القائد السبسي، الذي حضر مؤتمر النهضة لمعرفته بقرارات التحول، والفصل بين الدعوي والسياسي، فقد أعرب الرئيس عن «سعادته» بهذا التحول، ودعا إلى «التأكيد على أن النهضة أصبحت حزباً مدنياً تونسياً قلباً وقالباً، ولاؤه لتونس وحدها… فالساحة السياسية التونسية تتسع لكل التيارات السياسية والفكرية».
هل يحاكي الغنوشي بهذا التحول العمل على طريقة الأحزاب الغربية مثل الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، أم إن متطلبات المرحلة تفرض معادلات تكتيكية، تحتاج إلى جرعات غير تقليدية من أجل العودة إلى التموضع في مكان الأغلبية وليس في مقاعد المعارضة، كما هو الحال راهناً؟
بعض النخب التونسية لا ترى في خطاب زعيم النهضة جديداً، ويقدمون مقاربة بين خطابه، وما دعت له عام 2003 الباحثة الأمريكية شيريل بينارد، العاملة في مركز راند الأمريكي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، حيث وضعت دراسة بعنوان «الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات»، ويدعي هؤلاء أن الأسس النظرية لخطاب الغنوشي بنيت على دراسة بينارد، التي أشارت فيها إلى أنه «يتوجب إيجاد بديل عن الحركات الأصولية الإسلامية التي انتهى دورها على الأرض بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وهذا البديل لن يكون موجوداً إلا بإقامة تفريق بين الحركات المتشددة والحركات الأقل تشدداً التي لا تستعمل السلاح».
لكن الغنوشي، المعجب بالناصرية في بداية شبابه حين كان يدرس الزراعة في جامعة القاهرة عام 1964، وبعد انتقاله أيضاً إلى دمشق لدراسة الفلسفة، ومن ثم إلى جامعة السوربون الفرنسية، كان يبحث عن خلاص جماعي للأمة، فدخل عليه سيد قطب من خلال كتاباته، كما دخل محمد إقبال، والمودودي، والغزالي، وابن تيمية، ليتحول إلى عنصر نشط بين العرب والمسلمين في فرنسا، ويقوم بالعمل الدعوي في أحياء ضواحي باريس الفقيرة، التي تتسم بأغلبية إفريقية ومغاربية وذلك تحت مظلة «جماعة التبليغ» الوعظية.
جرأة الرجل كبيرة في الانتقال من الإعجاب بالناصرية إلى الانتظام في صفوف الإسلام السياسي مطلع سبعينيات القرن الماضي إثر مؤتمر سري تداعت له 40 شخصية دعوية في إحدى ضواحي تونس العاصمة، منضوية في جماعة «جمعية المحافظة على القرآن»، التي أصدرت أهم قراراتها المتمثلة في دخول معترك الحياة السياسية، لتبدأ رحلة الرجل في السجون والمنافي، حيث حكم عليه أربع مرات، منها «ثلاثة مؤبدات» بين العام 1981 و1998، خرج من بعضها بعفو عام، بينما كان بعضها في المنفى في إحدى ضواحي لندن، هو نفسه الغنوشي الذي وصف قانون الأحوال الشخصية عندما تم الإفراج عنه عام 1989 بالقول إنه «إطار نقي ينظم العلاقات العائلية»، فهل يتحول هذا الرجل، بفصله الدعوي عن السياسي، إلى ظاهرة على مستوى الإسلام السياسي في الوطن العربي؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٣٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢٧-٠٥-٢٠١٦)