د. أحمد علي الصرخي – طبيب وأكاديمي

د. أحمد علي الصرخي

د. أحمد علي الصرخي

تابعت مثل كثيرين الفيديو الذي انتشر مؤخراً عن طبيب الأسنان الذي أحرق شهادته بسبب عدم وجود وظيفة، وتساءلت مثل غيري هل وصلت براثن البطالة إلى مهنة الطب، رغم حاجة البلد الماسّة للأطباء.. هل حقاً هناك بطالة؟ رغم البيان التوضيحي الذي أطلقته وزارة الخدمة المدنية.
دعونا نرجع للوراء إلى أكثر من عقد من الزمن، عندما بدأت أرحام الثانويات العامة (الحكومية والخاصة) بالدفع بآلاف الطلاب من ذوي الدرجات التسعينية العالية إلى الجامعات، وتوجه أغلب هؤلاء (التسعينيين) إلى كليات الطب حسب القاعدة العربية الشهيرة (معدل عالٍ = دراسة طب)، ولأن مقاعد الدراسة في كليات الطب محدودة فلم يجد كثير منهم مكاناً، فتذمر الطلاب وأولياء الأمور، فكان الحل المؤقت هو الضغط على كليات الطب الأربع في الجامعات الرئيسة لزيادة عدد مقاعد القبول، ولكن ذلك لم يكن كافياً، فكان الحل التالي هو التوسع في افتتاح كليات طب جديدة – حكومية وخاصة – حتى تجاوز العدد في سنوات قليلة 30 كلية طب بشري وأسنان، بعد أن كانت أربعاً فقط لأكثر من عقدين من الزمن، ورغم هذه الزيادة إلا أن غالبية كليات الطب – وحتى الآن – ليس لديها مستشفيات تعليمية خاصةً بها.
أما من لم يجد قبولاً داخلياً فقد قرر السفر لدراسة الطب في دول عربية و آسيوية و شرق أوروبية على حسابهم الخاص، وما هي إلا بضع سنين حتى بدأ الخريجون بالرجوع إلى الوطن بشهاداتهم، وكانت المحصلة تخرج الآف من كليات الطب في الجامعات الحكومية والخاصة والخارج، ولكن من سيستقبلهم؟
فوجئت وزارة الخدمة المدنية بهذا العدد وكأنهم قادمون من المريخ، فلم تواكب خططها مشاريع التوسع في الكليات، ولم تخلق وظائف جديدة لهم، ولم تتوسع وزارة الصحة في إيجاد مستشفيات جديدة لتوظيفهم، ومقاعد التدريب لبرامج الزمالة (الدراسات العليا) في المراكز الطبية المتميزة لا تستطيع استيعاب كل هذا الكم الهائل من المتقدمين، حيث إن عدد المتدربين محدود بعدد المدربِين وعدد الأسرة حسب قوانين التعليم الطبي.. فأين يذهب هؤلاء؟
فئةٌ أخرى من خريجي الكليات الطبية لم تنتظر الوظيفة وقررت خوض تجربة الابتعاث الخارجي، دون أن يكون لهم مرجع اُبتعثوا من خلاله، وعندما عاد بعضهم إلى الوطن بتخصص دقيق وآمال عريضة، اتجه مباشرةً للمستشفيات المركزية بحثاً عن مكان يناسب مؤهلاته، ويتوفر فيه أحدث التقنيات التي تدرب عليها، ولكنه تفاجأ بأن لا مكان له هناك، لأن تخصصه لم يكن يوماً ما محسوباً في الخطة المستقبلية لهذه المؤسسة أو تلك، وإذا وُجد المكان فسيفاجأ بأن راتبه أقل من راتب ذوي العيون الزرقاء الحاملين لنفس الدرجة من التأهيل والتدريب، عندها قرر بعضهم الهجرة للعمل في بعض دول الخليج أو الرجوع لمكان البعثة للعمل هناك، ليخسر الوطن بذلك كفاءةً دُفع عليها الكثير، ثم لم يستفد منها بشيء.
أما القطاع الصحي الخاص فلا أمل فيه!، فهو يقوم في الغالب على مستوصفات صغيرة، ذات كادر طبي بسيط، هدفها تجاري بالدرجة الأولى، حيث يُجبر فيها الطبيب على العمل بإمكانات هزيلة، ورواتب بسيطة، قد يقبل بها طبيب مغترب ولكنها لا تكفي لتوفير عيشة كريمة للطبيب السعودي وعائلته، والتاجر لا يريد أطباءً عاليي التأهيل فهم يكلفونه الكثير، وبراتب واحدٍ منهم يستطيع توظيف أربعة أطباء غير سعوديين.
لعلك لاحظت معي عزيزي القارئ تشعب الأمر وتعقده، وتعدد الجهات الداخلة فيه من الجامعات ووزارت الخدمة المدنية والعمل والصحة والهيئة السعودية للتخصصات الصحية والمستشفيات المركزية الكبيرة والقطاع الخاص وبرنامج الابتعاث، وكل منهم يعمل بانفصال تام عن الطرف الآخر.. فهل ستكون بطالة الأطباء حقاً مفاجأة؟!
مشكلة الطب أنه مهنةُ لا تقبل أنصاف الحلول ولا تقبل الكفاءات المتدنية – مهما كانت جنسيتها – لأنه يتعامل مع أهم ما يملكه الإنسان وهو صحته. نحن لا نريد أن نصل للمراحل التي وصلت لها بعض الدول العربية من تخريج آلاف الأطباء سنوياً بتعليم وتدريب متدنيين، فالعبرة ليست بالأرقام فحسب، بل بالجودة، لأن ذلك سينعكس بلا شك على جودة الخدمة المقدمة للمجتمع ككل، وفي نفس الوقت لا نريد فقدان شبابنا المؤهلين تأهيلاً عالياً بسبب إشكالات بيروقراطية وتنظيمية لم يخطط لها جيداً.
أنا أؤمن بأن الأمر ليس بهذه السوداوية، ولكنه حتماً يحتاج لإعادة تخطيط وتنسيق بين كل الجهات المعنية، حتى لا تصبح بطالة الأطباء يوما ما حقيقة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٣٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-٠٥-٢٠١٦)