أحمد محمد أبو الخير

أحمد محمد أبو الخير

بويع الملك فهد -رحمه الله- بالحكم في 21 شعبان 1402هـ، وتعهد حينها باستكمال المسير على خطى أسلافه، ومما قاله في هذا الصدد:«إن المملكة في حاضرها كما هي في ماضيها، ملتزمة بشرع الله، تطبقه بكل حرص وحزم في جميع شؤونها الداخلية والخارجية وسوف تظل -بحول الله وقوته- ملتزمة بذلك، حريصة عليه أشد الحرص.. إننا ثابتون -بحول الله وقوته- على الإسلام، نتواصى بذلك جيلاً بعد جيل، وحاكمًا بعد حاكم، لا يضرنا من خالفنا، حتى يأتي وعد الله».
وفي عام 1405 هـ افتتح -رحمه الله- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ثم في عام 1414هـ أنشأ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، لتنظيم شؤون الدعوة إلى الله في الداخل والخارج، واهتم بالحرمين الشريفين وتوسعتهما، كما أمر بإنشاء عشرات المراكز الإسلامية حول العالم للتعريف بالإسلام ومحاسنه، وعمل جاهدًا على وحدة الأمة الإسلامية ونصرة الأقليات الإسلامية وقضاياها.
وكان مما قاله في هذا المضمون: «نحن في المملكة العربية السعودية شعبًا وقيادة، نشعر بأننا جزء من هذه الأمة، وأن علينا مسؤولية كبيرة وتاريخية تجاه كل عربي وكل مسلم… إن مساعدتنا للمسلمين في كل مكان تنبع من إيماننا بأن رسالة الإسلام رسالة عالمية».
وانطلاقًا من المسؤولية الدينية والتاريخية للمملكة، فقد استمرت في عهد الملك فهد بالقيام بواجبها تجاه قضية مسلمي بورما، بواسطة وزارة الخارجية، والمنظمات الدولية والإسلامية، بهدف تخفيف معاناة هذا الشعب المسلم.
حيث شهدت بورما مشروعًا مناهضًا للإسلام بلغت ذروته عام 2001م، وقامت المجامع البوذية حينها بتوزيع نشرات وكتيبات عنوانها:(الخوف من ضياع العرق)، أشعلت فتيل العداء تجاه مسلمي أركان من جديد، وتمخضت عن هدم 11 مسجدًا، وحرق 400 منـزل، ومقتل أكثر من 2000 مسلم، وتهجير آلاف إلى الدول المجاورة، في ظروف إنسانية صعبة للغاية.
وفي هذه الظروف مدت المملكة يدها الحانية لتضميد شيء من الجراح، وتقدمت بمساعدات دبلوماسية وإغاثية سخية، عكست عمق الشعور بالأخوة الإسلامية، يقول الشيخ الهرفي في كتابه (الجامع لأحكام الحج والعمرة ص550) ما مضمونه: إن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- علم من خلال خبر صحفي أن حكومة دولة مجاورة لبورما أمرت بترحيل اللاجئين المسلمين إلى ديارهم في بورما، وفي ذلك من الخطورة عليهم وعلى أسرهم ما لايخفى، فتأثر الشيخ بسماع الخبر؛ واتصل فورًا بالملك فهد رحمه الله، وطلب منه الشفاعة لدى هذه الدولة حتى لا تعيد هؤلاء المستضعفين إلى العدو. فكانت النتيجة عدم إعادتهم كما طلب سماحته.
واستمرت المملكة في احتضان الفئة البرماوية المقيمة بالمملكة، ووفرت لهم ميزات استثنائية، كما كانت منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز طيب ثراه، مثل: العلاج المجاني، وإتاحة فرص التعليم العام كالمواطنين، كما سُمح للمدارس الخيرية التي كانت تحتضن (23.000) طالب آنذاك، بالاستمرار في أداء رسالتها التعليمية دون عوائق بقرار سمو وزير الداخلية رقم 12268 وتاريخ 1413/12/15هـ، كما استمرت حلقات تحفيظ القرآن الكريم في أحياء البرماوية في أداء دورها العظيم في بناء الأجيال وتخريج حفظة كتاب الله العظيم، وصدرت الأوامر الملكية بتعيين فضيلة الشيخ الراحل الدكتور محمد أيوب -رحمه الله- إماماً لمسجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم عام 1410هـ وهو أحد أبناء هذه الفئة، وفيما يتعلق بنظام الجنسية العربية السعودية فقد استمر العمل بالمادة الثامنة -التي تقضي بمنح كل من ولد على أراضي المملكة الجنسية السعودية- حتى عام 1404هـ، ثم أحيل الموضوع بالكامل للدراسة وإعادة التنظيم.
وفي عام 1404هـ تم تصحيح أوضاع كل من كان يحمل جواز سفر صالحاً من دول أخرى، ثم صدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد -رحمه الله عام 1417هـ بمنح هويات نظامية للبرماويين وأسرهم، دون المطالبة بجوازات السفر، وسميت بالبطاقات البيضاء، وبموجبها تم قبول الأبناء بالمدارس والمرضى بالمستشفيات.
وهكذا حظيت الفئة البرماوية في عهد الملك فهد بحسن الوفادة والرعاية، بل عوملوا كالمهاجرين حين نزلوا بديار الأنصار، وهو ما جعلهم يشعرون بالأمان والاستقرار بعدما كان الخوف يلاحقهم.
وأصبحت المملكة بالنسبة لهم بر أمان في بحر الحياة، بل الحضن الدافئ الذي يأوون إليه بعد الله في كل الخطوب، ما جعلهم يبادرون بتسجيل أسمائهم لدى عمد الأحياء في مكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة للتطوع في مختلف المجالات لخدمة الجيش السعودي في الثغور في حرب الخليج عام 1411هـ، وتشرّفت الجالية البرماوية حينها بشكر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله- بالبرقية رقم 113 وتاريخ 1411/2/29هـ على حسن المشاعر والمواقف.
وعند رحيله في 1426/06/26هـ سكب البرماويون دموعًا ساخنة ومشاعر صادقة، كيف لا؟! وقد ترجل بعد عطاء حافل، ومواقف نادرة وشجاعة، وكان بحق أحد العظماء الأفذاذ، الذين تباهى بهم التاريخ، وتفاخرت بهم الأجيال، وشهد لهم العالم كله بحسن السياسة وروعة التدبير على مدى ثلث قرن أمضاه في سدة الحكم، ولذا يقول فيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز: أعتز وأفتخر أن أكون أخًا للفهد. رحمه الله وبرد مرقده.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٣٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٣٠-٠٥-٢٠١٦)