لم يكن رداد يعرف شيئاً عن دهاليز الأسهم، رغم وجود جهاز التلفاز في ركن حجرة صغيرة سماها مجلس الضيوف، فقط يشاهد مسلسلات تاريخية ويعجبه كثيراً الزير سالم، وما آلت غطرسة كليب لتنشب حرب ضروس بسبب صلف جساس، وما أن ينتهي رداد من مشاهدة حلقة حتى يفترش قطعة زولية يضعها فوق ربوة عالية تطل على بيوتات القرية ليجيء عثمان ومعيض يستمعان إلى تحليله عن مكابدة أبي ليلى المهلهل وأحزان الجليلة التي وقعت بين نارين، ابنها الجرو بن ربيعة ووالدها مرة وأبنائه الذين وجدوا أنفسهم يحاربون دفاعاً عن الكرامة، بينما حرب الزير حرب ثأر، يرتشف ثلاثتهم فناجين القهوة، بعدها يذهب صديقاه إلى منزليهما بعد أن امتلأت آذانهم بكثير من الكلام، لم يدرك رداد مغبة الأسهم أبداً، إلاَّ أن معيض أقنعه بأن أموالاً تأتي دون تعب، وأخذ رداد ما جمعه طول عمره ليعطي ابن صديقه راضياً مختاراً ليشتري حزمة أسهم، وتحوَّلت تلك الجلسة من حكايات الزير سالم إلى حكايات الأسهم، ويتوهَّج محيا رداد مع المكاسب التي يجنيها وهو يقضم القسبة (التمرإذا تيبس) جالساً على قطعة الحصير، وذهب تفكيره لينكح امرأة تعيد له حيويته، إلاَّ أنَّ العمر دنا من الغروب، والجسد هزل، وليس في البدن قوة، وما أن يتذكر هزيمته الجسدية حتى يزفر على أيام انصرمت وكان ينضح شباباً وهمة وقوة، قرر أن يسحب أمواله لبناء مسجد كختام لحياته ابتغاءً للأجر ومسحاً للآثام، وتطهيراً لزلات اللسان، وما أن وقف – كشجرة لوز يابسة – في بهو البنك حتى لمح وجوه بعض الأشخاص وقد تلبسها الذهول، بل شاهد بعضهم وقد سقطوا على صحن البلاط الأبيض مغشياً عليهم، ما الأمر؟ هبوط حاد في قيمة الأسهم أحدهم قال: أما تلحظ ياجد رداد اللون الأحمر كسا اللوحة الإلكترونية، التي أمامك رد : ما عليّ من الأحمر أو الأخضر المهم دراهمي، بشي من السخرية قال المتحدث : «شربت طيغة» والطيغة تعني التراب حين يختلط مع الماء ليكون زلقاً.
كمن لسعه داب يقول: أنا أبو ولدي، خرج من البنك بعُشرِ ماله، وراح يقول لا يمكن ابني سقيفة، كيف لو أردت بناء مسجد يُرفع من على منارته الأذان، ويحضره المصلون ، ضاق صدر رداد وقال: لا ركايب تنزرع، ولا أسهم يرتجى منها خير، الله يعوضنا بأفضل منها، همهم بصوت خافت» إذا تبعت مسار الديك فلن يوصلك إلا للدمّنة، هذي نصيحة من سابق الأزمان، عاد إلى منزله مكسور الخاطر، شاتماً الحظ التعيس الذي خطف أمواله بعد كد السنين، تحوَّلت جلسته إلى أسئلة عن الأموال التي طارت من جرَّاء إصابة الأسهم بداء الحمرة، أين مرقت؟ من استفاد منها؟ معاتباً نفسه الضعيفة التي دفعته ليسلك طريقاً لا يعرف ممراته، لذا يصمت قليلاً، بعدها يتمتم: يستأهل العثرات من لا يجيد رؤية الطريق، من رحم المعاناة بنى قصيدة وراح ينشد بصوت أجش أبيات قصيدته لتتلقفها نوافذ القرية وتفضي لآذان ساكنيها. القصائد كما يقول: لا تساعد في استرجاع المال، إلا أنها تخفِّف من الحزن لتلتئم الجراح قليلاً، ولو بعد حين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٤٦) صفحة (٩) بتاريخ (٠٦-٠٦-٢٠١٦)