أسماء الفهيد

الدخول في حوار مع مَن يدفعه الحوار للبحث والتوسع نعمةٌ، لكنه مع مَن يقدِّس في رأيه العرف والعادة دونَ تقصٍّ، ويقول رأيه تبعاً للشخوص لا القضية، أو لأنه يرى أن هذا ما يجب فلا ينبغي للناس أن يتوسعوا في موضوعٍ ما، يتحوَّل إلى نقمةٍ بـ «نفسه، وعلى مَن حوله»، نقمة امتلأت بها مجالسنا، ومواقع التواصل الاجتماعي لدينا، ففي كل وسم ترى من هؤلاء عدداً يفوق النصف، بل يزيد، فتجد أن الموضوع الأصلي انحرف جداً، وسوء الظن، وتحليل النيات سادَا الموقف، وتكون «القاصمة» حينما يخوض المحسوبون على العقلاء، وذوي الرأي السديد معهم، فيضيفون إلى الغث ما يزيده، ويضيع المعنى والمفيد، فإذا سلَّمنا بأن «القِدم يُلبس الأشياء قداسة»، فهل يعني هذا أنها فعلاً مقدسة؟! أقصد بذلك: لماذا حين نستنكر قولاً ما نكسر التوجه على قائله دون أن نبحث في الصحة من عدمها؟ هل حُرِّم الاختلاف في هذا الدين لنقلِّل من فضل، أو قيمة مَن يتقصَّى حول موضوع ظهر، أو لم يظهر الاختلاف فيه؟
في برنامج «بالمختصر» مع الشيخ المغامسي، ذكر الشيخ بياناً واضحاً، وهو أن ما حُرِّم بشكل صريح في القرآن الكريم عُلِم بالبديهة أنه لا خلاف عليه، وهو عطفٌ على قوله إن الفصل واضح حين نبحث عن الفصل في الأحكام، فمثلاً حكم الغناء، وهو من أكثر ما يثار الجدل حوله هذه الأيام، لم يرد في القرآن بنص صريح، كذلك في السُّنة، إذ إن الخلاف حول المقصود بلفظة «لهو الحديث» لا يُعد حكماً بالتحريم ليكون الفصل، أما الترجيح بالآراء، فهو ليس حكماً فصلاً، أو كما قال، والدخول مع مَن لا يملك آلية البحث، والطريقة المثلى في النقاش، جدلٌ فوق الجدل، أعني ما ذكرته في بداية حديثي، لأنه معلوم إلى ماذا يفضي الحوار والحديث في النهاية من شتم وذم، وتقصٍّ في الخصوصيات، وافتراء ليعلم ويتأكد العاقل أن هذه الحوارات لا تعود على أحد بخير، وأن الترفُّع عنها حكمة ورؤية أبعد، خاصة أن مقياس أخلاق الشعوب، ومستوى العقليات يتحددان من خلال هذه الحوارات اليومية القصيرة، وكما يقول سقراط :«تكلم حتى أراك». حيث إن مخابر الناس في حديثهم لا في هيئتهم.
* العنوان مطلع قصيدة لفهد عافت، ما له علاقة بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٤٨) صفحة (٨) بتاريخ (٠٨-٠٦-٢٠١٦)