* القلق العام في فرنسا ليس من فوز اليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في دولة تؤمن وتمارس التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، بل إن منسوب القلق في تزايد مع تحقيق اليمين المتطرف مكاسب على حساب اليسار واليمين معاً …….

ثمة شعور لدى كثير من الفرنسيين مفاده أن فرص أحزاب اليمين ستكون لها الغلبة في أي انتخابات قادمة، بلدية كانت أو برلمانية أو حتى رئاسية. هذا الشعور مشدود بمعطيات مخيبة لآمال اليسار بأجنحته المختلفة وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي الذي يعاني من استنزاف مقاعده البرلمانية، كما تآكلت نسبة الرضا الداخلي عن أداء الرئيس فرانس هولاند التي تشير شعبيته إلى انكسار نحو ما دون الـ 20 % في عديد من استطلاعات الرأي، وفي ظل خلافات داخلية تسربت عن حال الحزب الحاكم في فرنسا، خصوصا تعاطيه إزاء قضيتين: مسألة سحب الجنسية من المتهمين بالإرهاب ممن يحملون أكثر من جنسية؛ حيث تراجع الرئيس وسحب المشروع من البرلمان باعتباره منافياً للدستور الفرنسي والأعراف والمواثيق الدولية، والثاني مشروع قانون العمل الجديد الذي لايزال محل شد وجذب بين النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية المحسوبة على اليسار، من جهة، وبين الحكومة التي تسببت هذه القضية في مزيد من تآكل شعبيتها، من جهة أخرى.
مشهد فرنسا السياسي هذه الأيام يشبه طقس باريس المنقلب إلى شتاء حزيراني في عز الصيف بسبب التغير المناخي المصابة به أيضا ألمانيا ورومانيا ودول أخرى، إثر فيضانات نهر السين وابتلاعه بعض البشر في تلك البلدان، وغياب الشمس في الأيام الماضية، وانخفاض درجة الحرارة تماشيا مع تراجع الأداء الاقتصادي الذي تدنى لمستويات مقلقة بدلالة زيادة نسبة البطالة، رغم بدء تدفق السياح الذين وجدوا في جسور باريس فرصة للفرجة على فيضان النهر. وفي المشهد الثاني تبدو مرحلة عض الأصابع قد بدأت بين النقابات العمالية التي ترفض مشروع قانون العمل (الاشتراكي) وبين الحكومة التي تجد نفسها في حرج كبير بسبب أن هذا المشروع يحسب على ثقافة الليبرالية اليمينية المتوحشة المتوثبة لضرب مكتسبات الحركة العمالية، بينما يفترض في الحكومة الحالية أن تمثل الفكر الاشتراكي وتطبيقاته.
في هذه الأثناء انتظم مؤتمر السلام والتقدم مطلع شهر يونيو الجاري في العاصمة باريس، الذي لم تغب عنه قضايا المنطقة العربية المنكوبة بحمام دم في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وما بينها في مصر وتونس مثالاً لا حصراً.
القلق العام في فرنسا ليس من فوز اليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في دولة تؤمن وتمارس التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، بل إن منسوب القلق في تزايد مع تحقيق اليمين المتطرف مكاسب على حساب اليسار واليمين معا، ما يضع المعادلة السياسية في أتون خلطة من الأوراق المبعثرة التي تحتاج لوقت كافٍ من أجل الوصول إلى خيوط رئيسة لإعادة تركيب المشهد السياسي والتحرك في فناءاته. الرئيس اليميني السابق سركوزي، أعلن رغبته في إعادة ترشيح نفسه، وكان «ما في بهل البلد إلا هالولد»، مدعوما بكتل من الرأسماليين القادرين على إغداق حملته بالمال المطلوب لشن حملة انتخابية معتبرة تليق بالمليارات التي ستصرف. بينما تتصرف زعيمة حزب الجبهة الوطنية لوبان، وكأنها تعبد الطريق لقصر الإليزيه لفترة انتخابية قادمة. يشجعها على ذلك تشتت أحزاب اليسار بصورة قد تقدم معها خدمة جليلة لليمين على الأقل إذا استمر الوضع على ما هو عليه. فبالإضافة إلى الحزب الاشتراكي الذي يعاني من وضع لا يحسد عليه بعد أن تراجعت شعبيته وشعبية رئيس الدولة، ويحتاج إلى رافعة كبرى كي يتجاوز المأزق الذي يعاني منه راهنا، فإن الحزب الشيوعي يواجه تحديات من نوع جديد؛ حيث فقد جزءا كبيرا من المجالس البلدية في الانتخابات الأخيرة تصل إلى أكثر من 70 % منها، ما يضطره، وقد أنهى مؤتمره السابع والثلاثين قبل أيام، إلى مراجعة عميقة في تكتيكاته وحساباته المحلية والأوروبية، وقد قام بأجزاء من مفاصلها أثناء جلسات مؤتمره، وهو بحاجة لأن يؤكد على جدارته في تبوؤ وزن أكبر مما هو عليه الآن، وهذا يحتاج لمناقشة وضع جبهة اليسار التي تعاني من حالة معقدة هي الأخرى؛ حيث أقدم زعيم حزب اليسار جان لوك ميلانشو مؤخرا على إعلان عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستنظم في مايو 2017، ولكن دون التشاور مع حلفائه في أحزاب الجبهة، وهو الأمر الذي أثار جدلا في الأوساط اليسارية لم يهدأ بعد. ميلانشو، صاحب نظرية اليورو الاجتماعي لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية، حصد في انتخابات 2012 نحو 12 % من أصوات الناخبين، بينما حصدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان نحو 18 %، ومن المرجح وفق استطلاعات الرأي أن تنتقل إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية إلى جانب رئيس الوزراء السابق آلان جوبيه من حزب الجمهوريين الذي ينتمي إلى يمين الوسط، ومن المتوقع أن يكون الأوفر حظا. وفي استطلاعات الرأي لم يأتِ ذكر الرئيس هولاند، الذي من المرجح أن يقدم الحزب الاشتراكي بديلا عنه في الانتخابات المقبلة بسبب تدني شعبيته.
التوتر الانتخابي في فرنسا حصل مبكرا؛ إذ لم تتردد ست فتيات ينتمين لمنظمة «فيمن» من عرقلة احتفالات اليمين المتطرف بعيد العمال العالمي الذي يصادف الأول من مايو، وقمن أيضا بتنظيف ساحة الأوبرا وسط باريس، وكتبن شعار «نحن فخورات بتطهير الشوارع الديمقراطية والعلمانية من كراهية مارين لوبان»، زعيمة اليمين المتطرف. ويبدو أن المشهد الفرنسي مقبل على أشهر سياسية ساخنة ستشهد تجاذبات وتحالفات اللحظة الأخيرة لوقف زحف اليمين المتطرف، وربما بالقبول باليمين الوسط، وإعادة دوزنة الوضع انتظارا للانتخابات النيابية التي ستأتي بعد شهر من الانتخابات الرئاسية. ربما سيؤثر هذا الوضع سلبا على الدور الفرنسي في المنطقة العربية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٠) صفحة (١١) بتاريخ (١٠-٠٦-٢٠١٦)