أمجـاد آل نَصر

إن قول كلمة «لا» لا يعني أنِّي لا أُحبك؛ بل يعني أنِّي أُحبك بِالقدر الَّذي يجعلني لا أستطيع أن أُقدم لكَ شيئاً لا يَلِيق بِك!
يخجل كثيرون ويصابون بِالإحراج مِن قول كلمة «لا» أمام رغبات الآخرين ومتطلباتهم المتعددة خشية مُضايقتهم أو تجنباً لِسوء الظن والخلاف، مما يُحمِّل الشخص مسؤوليات والتزامات طائلة لا طاقة لَهُ بِها.. فيلتزم بِمواعيد ويحضر لقاءات فوق ما تحتمل طاقته البدنية، ويقدم خدمات فوق طاقته وقدرته الجسدية، ويُرهق تفكيره بالتزامات وأمور لن تعود عليه بِالنَّفع!
إن غياب كلمة «لا» مِن المشهد الَّذي يجب أن تكون حاضرة فِيه وخروجها فِي حلقات أخرى مِن المسلسل تسبب في ضرر عارم فِي نفوس كَثِيرَة، فمن حُرم مِن حقه الطبيعي في الخروج إلى ساحة الحياة وممارسة التجارب المُخْتَلِفةِ والتَّنفس بِطريقة سليمة أصابهُ ضعف فِي ثقته بِنفسه، وتزلزلت قدراته ومواهبه، ومَن لم يستطع قول كلمة «لا» وعاش على ما يطلبهُ مِنه غيره وما يوجه إليه ضاعت شخصيته كلوحة مهزوزة رُسمت بِفرشاة عوجاء، ومَن خشي كلمة «لا» وتحمَّل مِن المهام فوق طاقته أصابهُ الذعر مِن الفشل ولازمهُ القلق لِشدة ما أثقل على نفسه وخسر نوم ليله ونهاره وقدَّم ما طُلب منه مِن غير إبداع وتميز!
نَحنُ بحاجة لرسم كلمة «لا» بِقدر ما نَحنُ بِحاجة لِمحوها.
فتكرار كلمة «لا» بِكثرة أمام الطفل الصغير أو خلال مراحل نشأته يُوجِد فِي داخله خوفاً مِن مواجهة العالم الخارجي وكل ما هو جديد فيه، ويجعلهُ يتجنب كُل ما لم يعتد عليه ويُفقدُ فِي داخله روح المغامرة والاستكشاف، كما أنَّ حضور كلمة «لا» على لسان بعض الشخصيات يتسبب فِي إنتاج كبير ودقة وإبداع أقل!
الإبداع يضمحل فلا مسبب لِولادته وأسباب انقراضه فِي ازدياد.
أنا لستُ بِحاجة لِمواجهة كلمة «لا» فكم من جسرٍ بنيتُ فوق حواجزها وكم مِن شجرة زرعتُ عند أسوارها، لكنِّي أعتقد أني بِحاجة ماسة لِقولها.. لِتكرارها.. واستخدامها.. أمام طلقات الرصاص الَّتي تغتال الوقت والأهداف ولا تُساهم فِي إيجاد شيء جديد..
فَليتني أملكُ جرأة كلمة «لا» لِتسقط الأثقال المُوجعة والالتزامات المُرهقة الَّتي قبلتُ بِها خشية وقسراً!
وليت مِن أحبهم يدركون أنَّ «لا» لا تعني أني لا أحبُّهم بل يعني أنِّي أحبُّهم بِالقدر الَّذي يجعلني لا أستطيع أن أُقدم لهم شيئاً لا يَلِيق بِهم!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٠) صفحة (١٠) بتاريخ (١٠-٠٦-٢٠١٦)