علي موسى العبدلي

علي موسى العبدلي

ما يميز كثيراً منا أنه يتحدث ويسهب في التحليل لكل شيء، حتى تجزم أنه مفتاح كل المستعصيات وواجهة كل الرقي ويجعل كلماته تتراقص في عقلك وقلبك من روعتها ونشوة الإيجابية فيها، ولكن أمام الأفعال كلنا نبحث عن أقرب المخارج، لماذا؟.. لأننا ببساطة «مقيدون!» نعم تقيدنا بعض الأفكار التي أوجدتها حقبة من الزمن أجبرتها الظروف على طريقة معينة بالعيش لتجاري بها قسوة الحياة، تبعها جيل يرفض أن ينصهر مع أي نسيج آخر غير نسيجه ويأخذ من الزمن الذي عمه الجهل بسبب انغلاقه على نفسه مرغما قدوة له.
من الأخطاء التي وقعنا فيها، أننا صورنا كثيرا من العادات القديمة المنافية لسماحة ديننا ووسطيته، بأنها ترمز لهوية تاريخية عريقة، يجب أن نحافظ عليها وننقلها لأجيالنا، لذا نحن نعاني من شبح العنوسة لأن هناك عادات نقدسها ولا يجب تجاوزها تشترط تجاوز ألف عائق للظفر بالفتاة، نعاني من البطالة لأن هناك عادات مقدسة استحقرت بعض المهن، وعيبت على من يشغلها، نعاني ضعف الحوار، وقوة الإقصاء، لأن هناك عادات مقدسة جعلت المرجعية شرطاً للحوار معك، نعاني من العنصرية بفعل العادات لأن هناك من يتباهى بأصله وفصله وكأنه ولد من رحم مطلي بالذهب.
تجاوزنا دماثة الأخلاق والسيرة الحسنة للرجل وجعلنا المنطقة والقبيلة مقياس الحكم عليه، والسبب لأن العادات ببساطة تريد ذلك!، جعلنا «الهياط» سمة من سمات الشخصية الخارقة لا يتصف به إلا الرجل العظيم، وحتى يقال إنك كريم ابن كريم عليك أن تغلو في مظاهر الإسراف والتبذير، وعليك أن تبتكر ما يلفت الانتباه حتى لو تطلّب الأمر أن تحاول نحر ابنك من باب الهياط تحت ذريعة الكرم وأنه من العادات المقدسة، فقط كي تتناول المجالس سيرتك كبطل عظيم!.
قبل أن نطالب بمخرجات حوار بناء، وعلاج بعض المظاهر السلبية التي تقدم باسم العادات، والنهوض بالمستوى التعليمي والثقافي، علينا أن نبدأ بإصلاح عقولنا من فيروس العادات المدمرة، وأن نستشعر قيمة المجتمع بنسيجه الواحد، المبني على توافق كافة متغيراته، وأن نتصالح مع أنفسنا، ونبدأ بالاندماج والتفاعل مع الثقافات الأخرى، ونتجاوز محدودية التعايش، وننطلق في رحاب الترابط والألفة، ونسكن لبعضنا بعضاً بود وتسامح، وكل ذلك بعد أن نستبدل تلك العادات المدمرة، بتقارب يوظف الاختلافات والمتغيرات بيننا إلى قيمة يتسم بها المجتمع المتداخل ببعضه كالجسد الواحد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥١) صفحة (١٠) بتاريخ (١١-٠٦-٢٠١٦)