عمر عبدالله مشاري المشاري -  خطيب جامع بلدة الداخلة في سدير

عمر عبدالله مشاري المشاري – خطيب جامع بلدة الداخلة في سدير

كم من أناسٍ كانوا معنا رمضان الماضي، ولم يبلغوا هذا الشهر المبارك لموتهم؛ ترحَّلوا عن الدنيا، وتمنوا لو تزودوا من الطاعات، واجتهدوا فيها؛ ليبلغوا إلى أعلى الدرجات، فالمطيع منهم في الدنيا تمنى لو ازداد طاعة، والمقصِّر تمنى لو كان اجتهد في الصالحات، فاتَّعظ بحالهم لحالك، وتدارك نفسك قبل أن يفجأك الموت، فتندمَ ولاتَ مندم، وقد أقبل عليك شهر رمضان، فبالخير أقبل إليه، فالناس في استعدادهم لرمضان متباينون، فمنهم من يفرح بقدومه، إما لأجل ترتيب أوقات الترفيه التي تتزاحم عليه في هذا الشهر، أو لأجل ما تعرض فيه القنوات الفضائية من مسلسلات تتسابق فيها عن بقيَّة الأشهر، ومنهم من يفرح بقدومه؛ لاغتنامه بنوافل الطاعات.
إنَّ شهر رمضان شهر طاعةٍ وعبادةٍ وإنابةٍ إلى الله، شهر اختصه الله من بين الشهور بوجوب صيام نهاره، واستحباب قيام ليله، وجعل أجر الصيام إليه سبحانه، فإنَّه يجزي به أعظم الجزاء؛ لما يدع المؤمن من طعامه وشرابه ووطره، وأوقات هذا الشهر فاضلةٌ طالما تمنى بلوغها المؤمنون، وشمَّر عن ساعد الجد فيها المشمِّرون، فهم إلى الطاعات يتسابقون، وإلى الفلاح ينشدون، ولكن الأماني لا تقدِّم ولا تؤخِّر؛ فكم من متمنٍّ عاجز؛ يريد السبق في الصالحات وهو تاركٌ لها غافلٌ عنها، سادرٌ في الملهيات، أقعده العجز والكسل.
إنَّ شهر رمضان شهر الصوم والقرآن والقيام؛ فمن حفظ أوقاته وصرفها في فعل الطاعات، وحاسب نفسه على التقصير، وقوَّم المعوَّج من حاله، فأكثر من تلاوة القرآن الكريم، فختمه بتدبُّرٍ عدَّة مرَّات، ووصل رحمه، وأكثر من الصدقات، وسعى في حاجة أخيه المسلم، وأنظر معسراً، أو تجاوز عنه، وعفا عن مسيء، وصفحَ عن مخطئ، وفرَّج كربة، وزار مريضاً، وسلَّم قلبه من الآفات الطارئة عليه، فلم يحمل على أحدٍ غلاًّ، ولم يُكِنّ في قلبه حسداً وحقداً، ولم يكن ذا ظنٍّ سيئ بأخيه المسلم، وأحبَّ للناس ما أحبَّ لنفسه، وكرِه لهم ما كره لنفسه، وجاهد في ذلك فهو على خيرٍ عظيم، وأجورٍ جزيلةٍ من ربِّ العالمين، والاجتهاد بنوافل الطاعات يحتاج إلى ترتيب الأوقات وحفظها؛ لكي لا تضيع سدى.
أتى رمضــــــانُ مزرعةُ العباد لتطهيرِ القلوبِ مِنَ الفســـادِ
فـأدِّ حـقـوقَهُ قــولاً وفــعـلاً وزادَكَ فــاتـخـذهُ لـلـمـعـادِ
فمَنْ زرعَ الحُبوبَ وما سَقــَاها تَـأَوَّهَ نـادماً يومَ الحَصَــــتادِ
إضاءة: طالبُ الحياة الطيبة الهانئة في الآخرة؛ لن يصل مطلوبه إلا برحمة الله، ثم بالجدِّ والاجتهاد في طاعة رب العباد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٢) صفحة (١٠) بتاريخ (١٢-٠٦-٢٠١٦)