«الراديو» أكثر وسيلة ترفيهية وتعليمية كانت سائدة في قرى وادي قوب بمنطقة الباحة، وغالبية سكان الوادي يمتلكون هذا الجهاز السحري الذي يبث أخبار بلدان العالم، «ورادي» رداد الأكثر شهرة في نطاق القرية ليس لحجمه أو شكله أو مكان صناعته، بل لالتفاف بعض أفراد القرية في منتداه الذي خصصه على ربوة مرتفعة تطل على مساحة الوادي، ويشاركونه في الاستماع لأخبار زيارات الملوك والرؤساء والحروب والأحداث وغيرها، ليكون التحليل من الجالسين بحسب ثقافتهم ووعيهم، بعدها ينفض الجميع إلى منازلهم ليعاودوا الجلسة في أيام تالية، ومن فرط حرصه عليه خصص له تجويفا في حائط المنزل يضعه بتأنٍ كي لا يمسه أحد، وفصّل له ثوباً ليحميه من الغبار، وإذا تراخى صوت الرادي يحتاج فقط شراء بطارية جديدة، ودكان «محزم» على مرمى الحجر، ولم يغدُ في ذهن رداد الاستغناء عن الرادي مهما ضاقت الأحوال، ويمكن أن يستغني عن بعض الخبز المشرق، أما الرادي فهو لصيق أذنيه، يسليه ويخبره بما يحدث على سطح الكرة الأرضية بل حتى وصول الإنسان لسطح القمر، ولم يعد للعمل في الزراعة فاقة بعد أن تيبست عظامه، وكلّ بصره، وأصبح غير قادر على مجاراة أصحاب الأبدان القوية، «فالرادي.. الرادي» أما الوادي.. الوادي له أصحابه الأقوياء من المزارعين. الذي لم يضع- رداد – له حساباً وصولُ جهاز صغير مربع فضي، جلبه صديقه.. من بندر جدة، هذا الجهاز أضحى حديث الناس، ولم يعد رادي رداد ذا شأن، سلب عقولهم وشد أهداب عيونهم في جوفه، صور تتحرك لأوادم يتحدثون ويسيرون، وصور لطائرات وسيارات وبحار وجبال وصحاري وأنهار، لم يعد لمجلس رداد قيمة، انصرف عنه أصدقاؤه إلى مجالس أخرى؛ حيث الشاشة الفضية والشاي بالحليب والزنجبيل والعلوم الزينة والشينة، وبعد أن أرخت الشمس ذؤابة ضوئها خلف الجبل، اتكأ على عصاه وحمل جسده الضعيف نحو منزل صديقه – جمعان – الذي كان يرتشف كامل مصفاة القهوة، والآن بعد أن شرى هذا المصنوع في بلاد الجابان «اليابان» لم يدعُه أو يعذّر عليه، «أفا بهذا الصديق نسّاي الجميل»، وأسرّ كلمات قاسية ساعة ارتقاء عتبة بابه، بالفعل لحظة أن واجهه وجها لوجه قال: «أنت مضيع الرفيق، ولو كنت في شبابي دقيت رأسك في هضبة البياع»، وهي صخرة موضوعة بجوار (مسيد) مسجد القرية، يعاقب جماعيا لمن يبيع صاحبه، شاهد الاثنان أجساداً تتعرض للقتل والسحل لفيلم عن حرب أفلت يقال إنها الحرب العالمية الثانية، بعدها ملأ وجه سميرة توفيق سطح الشاشة لتهتز أوتار قلبه ويزيد هياما حين ترمش بعينيها النجلاوين، ويأسف على هذا الوقت الذي جعله غير قادر على فعل شيء يعيد له شبابه وحيويته، ويهمس في أذن صديقه: «أين نحن عن هالزين».
وظل التليفزيون حديث السمار، وأسوأ ما يمكن أن يحدث هو انقطاع البث، وتلك العبارة المشؤومة «نأسف لوجود خلل فني»، بعدها ينتشر السمّار إلى منازلهم، وقد بلغ بهم وفيهم من الغضب وقلوبهم من الحسرة لعدم اكتمال الرؤية لبرامج وأحداث وأخبار، بل إن بعضهم كان يستهويه مشاهدة الشاشة الفضية حتى بعد انقطاع البث، منتظرا شيئا قد يظهر، إلا أن ذلك محال بعد أن حُدد مواعيد البث لساعات معلومة، عندها قرر رداد امتلاك جهاز مماثل حتى لو اضطر لبيع ما خزّنه من حبوب الحنطة، ليكون بعد أيام قلائل جهاز «أبو صندوق» يثرثر في منزل رداد، وليس هناك وقت للخروج، بل إن المكان الذي اعتاد الجلوس فيه أهمله، ليسترد مجلس رداد حضوره الذين يحللون ويعلقون ويندهشون ويبوحون بما أفضى بهم العمر، وما تتركه غمزة سميرة توفيق من حرقة تلهب غرف قلوبهم، الشيء اللافت من أحاديث مجلس رداد في كون التليفزيون مر دون الاستفادة منه في جوانب تعليمية، وكانت حسرة بالفعل مُضي وقته دون أن تنسق الوزارتان في التعليم والإعلام لوضع برامج لطلاب المدارس، ليمر عليهم أحد شبان القرية، ويتندر على اهتمامهم بالتليفزيون الذي أصبح صفحة من التطور، وعتب عليهم بعدم دخولهم عالم الإنترنت، وقال: هذا الذي لا نستطيع الانفكاك منه وعنه؛ لأنه تسرب حتى في مسامات جلودنا، رد رداد وقال: شرّكم حوبكم، وانعطف لمشاهدة التليفزيون.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٣) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-٠٦-٢٠١٦)