سليّم السوطاني

سليّم السوطاني

من أهم شروط النقل في التاريخ تحرّي الصّدق، ولكن المتتبع للتاريخ في بعض الأحيان يلحظ دخول العنصرية الكريهة في المشهد التاريخي وخاصة فيما يتعلق بالروايات لتاريخ القبائل، فَكُلّ قبيلة تحاول صنع ملحمة بطولية من الشجاعة والحروب الشرسة التي خاضتها لتكون صاحبة الكعب الأعلى بين القبائل.. عندما نتتبع تلك الروايات نكتشف سخافتها ونضعها تحت مجهر النقد من خلال «النسق» و«تشريح النّص» نكتشف الزيف والمبالغة في تصوير أحداث صغيرة وتحويلها إلى أحداث كبرى.. بعض الروايات التاريخية تعدّ هشّة يرفضها العقل جملة وتفصيلا ويكون الهدف منها التعصب القبلي.. كل تلك الروايات تتمحور حول المعارك وإبراز شجاعة القبيلة وتفوقها في ميدان المعارك. من المضحك نقرأ عن حروبٍ طاحنة، وانتصرت قبيلة ما على قبيلة أخرى، ولا نجد اسمًا واحدًا قُتِل من القبيلة المنتصرة، ونحن نعلم بأن القتيل الذي يقتل في ميدان المعركة يُخلّد اسمه بحروفٍ من ذهب ولكن لا نجده في تلك الروايات المتهاتفة.. الحروب الطاحنة.
لا تبقي ولا تذر، إِلَّا إذا كانت تلك الحرب دارت في سماء الخيال والوهم على ألسنة الرواة الذين لا يهمهم إِلَّا تسلية النَّاس وجذب اهتمامهم لما يقولون، واللعب على أوتار العنصرية القبلية البغيضة، لكن القارئ المثقف العاقل منطقه يرفض الانسياق خلف تلك الروايات التي يلعب الخيال دورًا فيها.. التاريخ الحقيقي لا يخضع للروايات السقيمة، وميزانه العقل الفطن والصدق أساسه.. علينا أن نحارب العصبية القبلية أولًا حتى نتخلّص من ذلك الوهم الذي صنعه الرواة وشجعه على ذلك العنصرية وشوه التاريخ.. هناك قيم نفيسة كثيرة في تاريخ القبائل مثل الصّدق والكرم والوفاء علينا أن ننقّب عنها ونبرزها للأجيال القادمة ونبتعد عن (الهياط) الذي يشوه الجمال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٣) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-٠٦-٢٠١٦)