محمود أحمد مُنشي

محمود أحمد مُنشي

شهر رمضان شهر خير ورحمة وغفران للذنوب والآثام، اجتمعت فيه جميع أنواع العبادة الحسية والمعنوية، وفيه تروض النفس على عمل الطاعات وأوجه الخير للتقرب بها عند الباري جلّ وعلَا.
للصيام معانٍ كبيرة تهدف إلى تذكير الناس بضرورة الإحساس بحاجات وأحوال الآخرين وخصوصاً الأهل، الأرحام، الجار.. وضرورة البذل والعطاء. كما أنه يعود النفس على كبح جماحها والتسلح بالصبر وضبط الرغبات الملحة والتسامح مع الآخرين والإحسان إليهم وصلة الرحم التي أوصانا الله بها سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في آيات وأحاديث نبوية كثيرة فقد جاء في الحديث القدسي (أنا الرحمن وأنا خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته)، فهذا الحديث يحثنا على صلة الرحم ويحذرنا من مَغبة قطيعتها وما تسببه لصاحبها من عقوبات في الدنيا والآخرة.
في هذا الشهر المُبارك تـُصفّد مردة الشياطين، وتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب الجحيم، وفي الجنة باب اسمه الريان لا يدخله إلاّ الصائمون فإذا دخلوا أغلق ولم يدخله غيرهم، من عطاء المولى عزّ وجل كما جاء في الحديث (إن الفريضة بسبعين فريضة فيما سواه، والنافلة بفريضة فيما سواه، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، (شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة وآخره عِتق) والواجب علينا في شهر القرآن الكريم أن نتعهد كتاب الله بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ومعرفة أحكامه وتعاليمه لنزداد من نفحات النور العظيم ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان تحرياً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، قال عزّ وجل (إنـّا أنزلناه في ليلة مُباركةٍ إنـّا كُنَا مُنذرين) سورة الدخان آية3، وأن نُقبل على طاعة الله وذكره، مُلتمسين مزيداً من كل ما يعود علينا من نفع وخير في هذا الشهر الفضيل، خاصةً في العشر الأواخر منه التي كان المُصطفى صلى الله عليه وسلم يشد فيها المئزر ويوقظ أهله ويُحيي الليل في صلاة وتلاوة وذكر ودعاء.
قضاء الوقت بكل ما يعود على الشخص بالفائدة والخير والأجر والثواب؛ لأن كل إنسان مسؤول عن عمره فيما أفناه. واستثمار الوقت بدلاً من تضييعه وهدره في مُتابعة المسلسلات الهابطة والبرامج غير هادفة التي مع الأسف تبدأ طوال ليالي الشهر الكريم في كثير من الفضائيات إلى الساعات الأولى من فجر كل يوم؛ حيث يتم الاستعداد لهذه المسلسلات والبرامج مُبكراً، وكأن هذا الشهر المبارك أصبح شهراً لعروض مثل هذا الإسفاف وهذه الأمور المبتذلة التي فيها من البذاءة وخدش للحياة، فتسلب روحانيته وصفاءه ونقاءه، وتُهبط بأخلاق وقيم الشخص في شهر العبادة والرحمة، وتُصرفه عن أعمال هو في أمس الحاجة إليها. الكثير ينتظر هذا الشهر باستعداد كبير ويتلهف لعمل الطاعات والعبادات لينال إن شاء الله المغفرة والرحمة ويظفر بعفو العزيز الرحمن. يُستحب إخراج الزكاة في شهر رمضان لمستحقيها وللذين لا يسألون الناس إلحافاً، لنمسح دموع من استطعنا من فقراء ومعوزين، ولنعش مجتمعاً مسلماً متحاباً مترابطاً.. وأمر يجدر الإشارة إليه التبذير.. وما أدراك ما التبذير والإسراف؟! وما أدراك ما الإسراف؟! هناك كثير من يُخصص ميزانية خاصة لهذا الشهر الكريم، وكأن رمضان للأكل والشرب فقط، نرى الزدحام على الأسواق الكبيرة وحتى الصغيرة لشراء أكبر عدد من المواد الغذائية وبكل صنف، وفوق حاجة العائلة، إنها عادات ليس لها أول ولا آخر، ألا يعلمون أن هناك عوائل من التعفف لا يسألون الناس إلحافا، وهم في أمسّ الحاجة لقليل من المواد الغذائية يجدونها!. الذي يُكدسها وهي فوق حاجته وربما تنتهي صلاحيتها؛ لأنها كثيرة، وقد ينساها، وبذلك تُرمى في الحاويات، إنه وأيمُ الله سوف نسأل عن هذا الإسراف والتبذير .
علينا أن نتقي الله في المال الذي بين أيدينا، وأن ننفقه على الوجه الصحيح، فهناك أُمم كثيرة تتمنى أن تحظى بما أنعم الله علينا من نِعم وخيرات. سائلين المولى عزّ وجل أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال، وأن يجعلنا من المقبولين في هذا الشهر الكريم، وأن يُديم على بلادنا نِعمة الأمن والأمان، وأن يحفظ الله عزّ وجل ولاة أمرنا.. إنه سميعٌ مُجيب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٣) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-٠٦-٢٠١٦)