جاسم العبود

جاسم العبود

شهر رمضان المبارك إحدى المحطات الروحانية في عمر الإنسان لمحاسبة النفس، ومراجعة القصور والأخطاء، والعودة إلى الجادة، والتزود بالعبادة، وصلة الرحم، وتبادل الزيارات الاجتماعية بين الأهل والأقارب.
ظاهرة السهر لأوقات متأخرة من الليل مرهقة، لكن بعضهم يرى أنها أحد طقوس رمضان، ولا يحلو رمضان إلا بالسهر ليلاً والنوم نهاراً، وهذا النمط من الحياة الرمضانية من العادات السائدة لدينا، ومرتبطة بالتغيرات في نسق حياة المجتمع ككل وليس الفرد، المحلات التجارية تنشط حتى الصباح، وكذلك القنوات الفضائية وتكثر الزيارات الاجتماعية بين الأقارب والأصدقاء حتى ساعة متأخرة من الليل، وبما أننا عرب نهوى المجاملات، نستقبل الضيوف حتى أذان الفجر، ومن خلال هذه الطقوس تنقلب حياة الشخص رأساً على عقب، سهر في الليل ونوم متقطع في النهار، مما يؤدي إلى نقص في عدد ساعات النوم، فيعيش الشخص خلال النهار في خمول ونعاس وتعب.
ربما لا يوجد اختلاف في مجموع عدد ساعات النوم خلال شهر رمضان وغيره من الشهور، ولكن الاختلاف الواضح هو في مواعيد الخلود إلى النوم والاستيقاظ منه، هذا الاختلاف والتغير في مواعيد النوم سبب رئيس في تغير إفراز هرمون النوم (ميلاتونين) المؤثر على فيسيولوجية النوم، التي تصاحب الصائم طيلة شهر رمضان، وينتج عنه كسل ونعاس خلال النهار.
التغير المفاجئ في نوعية الأكل مع تغير مواعيد الأكل أيضا من النهار إلى الليل له الأثر السلبي في فيسيولوجية النوم خلال شهر رمضان، الإفراط في الأكل ليلاً ينتج عنه زيادة في إنتاج الطاقة، ومن ثم زيادة في حرارة الجسم، مسببا زيادة في النشاط الطارد للنوم خلال الليل، والعكس صحيح.. خلال النهار يقل إنتاج الطاقة، مما يسبب انخفاضاً في درجة حرارة الجسم، وينتج عنه شعور بالنعاس أو على أقل تقدير تغير في نشاط وحيوية الجسم.
الانتظام في ساعات النوم خلال رمضان يساعد الغدة الصنوبرية على إفراز هرمون النوم (ميلاتونين) بانتظام، هذا الهرمون يتكون ويفرز بشكل مطلق خلال ساعات الليل، وفترة إفرازه تتناسب طرديا مع طول ساعات الليل، ومن الملاحظ أنه عند حصول الشخص الصائم على قدر كافٍ من النوم خلال الليل لا تظهر على ملامحه زيادة في النعاس خلال النهار.
الصوم بحد ذاته لا يؤثر على جودة النوم، ولا يتسبب في النعاس خلال النهار، الدراسات أثبتت أن معظم التغيرات التي يلامسها الشخص على مجرى حياته خلال شهر الصيام سببها التغير في نمط الحياة، ومن ثم يأتي الانتظام في نمط الحياة اليومي والبعد عن التغيرات المفاجئة في مواعيد النوم في مقدمة الأسباب المؤثرة على جودة النوم لدى الصائم، ومهما زادت ساعات النوم في النهار فلن تغني عن نوم الليل.. وكل عام وأنتم بخير.. وصوماً مقبولاً وإفطاراً شهياً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٥-٠٦-٢٠١٦)