عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

لقد امتن الله على الأمة الإسلامية بوحي من السماء قد فصّل الله فيه ما حرم وأفصح الله فيه عما أحل، ومع هذا وذاك أرى أن الأمة الإسلامية لم تُبارح في خصامِ شديد في جزئيات هذ المنهج، ناسية أو متناسية كليات هذا المنهج. إن كليات هذا المنهج لا يجب الاختلاف ولا تجاوز أوامرها ولا تجاوز نواهيها بأي حال من الأحوال، فهي هنا وهي هناك شيء واحد، وهي اليوم وبالأمس وفي الغد هي هي.. أما جزئيات هذا المنهج فهي متروكة محلاً لاختلاف الأمة. وقد يكون هذا الاختلاف اختلاف درجة لا اختلاف نوع.. ما أود قوله في هذه المقدمة التي أفضل أن يكون من ورائها مندوحة حتى يفهم القارئ الكريم ما أنا بصدده ، فأبدأ مقالي بقولي – إن الأمة الإسلامية من طنجة إلى جاكرتا لا سيما علماؤها في خصام مستمر ونضال شديد لا هوادة فيه حول جزئيات منهج الله وأحكامها. وإني هنا في هذا المقال أحب أن أؤكد أن منهج الله يكمن مصدريه الرئيسيين (القرآن الكريم والسنة المطهرة) فإن الأمة في هذه الجزئيات في هذا المنهج لم تدرك بعد أن هذه الجزئيات خاضعة لمعايير مختلفة على جميع هذه المعايير سواء كانت معايير اجتماعية، أو نفسية، أو اجتماعية وهلم جرا.. فجزئيات منهج الله يسوغ فيها التباين والاختلاف طبقاً لحوادث الزمان والمكان وأحوال الناس فيها. أما تلك الكليات في هذا المنهج فلا يجوز الاختلاف فيها مهما كان هذا الاختلاف، ومهما كانت الظروف والأحوال ومهما تغير الزمان والمكان، فهي بالأمس واليوم وفي الغد باقية ثابتة منزوع عنها الاختلاف.. وهذه الكليات كما قلت آنفاً أفصح الله عنها ببيان لا بيان بعده، كالإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وعقوق الوالدين وأكل أموال الناس بالباطل والزنا وشرب الخمر والظلم والكبرياء.. إلى غير ذلك من تلك الأمور التي أعد الله إتيانها كبيرة. وهذه الأشياء اتفقت الأديان السماوية وتواطأت عليها، وهي ما تسمى أحياناً (بالوصايا العشر) أما جزئيات هذا المنهج فيجوز الاختلاف فيها وأن سبب كونها يجوز الاختلاف فيها زماناً ومكاناً لأنها متحركة ليست من ثوابت هذا المنهج فقد تثبت هنا وتتحرك هناك وتوجد اليوم وتختفي في الغد، ويكون لها ضرورة أحياناً وأخرى تزول ضرورتها. إن المتتبع لنصوص منهج الله لا سيما كتاب الله فإن هذا المتتبع لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يجد نصاً مباشراً و نصاً واضح البيان تجاه جزئيات التشريع.. بل الأمر فيها واسع وهي أحكام فضفاضة تضفي على الهزيل جمالاً وتُذهب نتوءات السمين. إنه ما من كلية في هذا المنهج إلا وحكمها قد أُوضح ببيان ظاهر لا يستطيع أحد أن يتلاعب بهذا البيان مهما أوتي من مراء وجدل.. أما تلك الجزئيات فالإنسان في حل من أمره تجاه التعامل معها وفق ما توصل إليه من فهم وتصور، فقد يكون هذا الشخص علم علة التحريم وعلة الحل، وذاك شخص آخر خفي عليه ذلك الأمر.. إذاً إني في هذا المقال الذي تأخذني أفكاره ذات اليمين وذات اليسار فإنه لزاماً علي أن ألملم أطرافه فأقول – إن منهج الله فيه كليات هي ثوابت لا يجوز تجاوز أوامرها ولا نواهيها ومن خرقها وتنكب هديها ارتكب إثماً مبيناً، ولن تبقى الأمة الإسلامية في حالة سلام ووئام إلا إذا علمت أن هذه الكليات لا تنازع فيها، ويجب أن تكون الأمة تحت رايتها ولا تتجاوزها، وأنه أُردف مع هذه الكليات جزئيات يجوز الاختلاف فيها زماناً ومكاناً.. إن الخطورة اليوم أراها تكمن في تنازع الأمة حول هذه الجزئيات، وهذا السلوك العقيم به مُنيت الأمة بالتمزق والتشرذم. وبالمناسبة دعوني أقطف من هذا المقال زهرة وأقول إن سبب عدم وضوح الدين الإسلامي للبشرية هو الخلط بين أحكام كلياته وأحكام جزئياته لا سيما عند العالم الغربي.. ولكن لو أن الدين الإسلامي سُوق في العالم الغربي عبر خطوطه العريضة التي اتفقت الأديان عليها لانقاد العالم الغربي للدين الإسلامي بسلك من حرير، هذا فضلاً عن محاسن الدين الإسلامي التي ما من شخص إلا ويتطلع لمثلها. لكن مع الأسف الشديد إن المسلمين حاولوا تبليغ الدين الإسلامي منطلقين من جزئياته التي ربما نصطدم مع العالم الغربي فيها.. وإنه لا يساورني أدنى شك لو أن هذا الدين بُلغ وهو يتماس مع الأديان الأخرى بل إضافة إلى محاسنه لنظر الغرب إليه نظرة إيجابية ولما زهدوا فيه. وما هذا الدين إلا هدى ورحمة للعالمين أليس الله يقول في وحيه الطاهر (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ولكن المبلغ لهذا الدين في العالم الغربي ركب صهوة نشاز قد جعل العالم الغربي لم يجسر إلى الولوج في فناء هذا الدين الرحب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٦) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠٦-٢٠١٦)