عمر محمد العمري – ماجستير توجيه وإرشاد طلابي، مشرف موهبة في وكالة جامعة الإمام للمعاهد العلمية

عمر محمد العمري

عمر محمد العمري

المجتمعات تشهد كثيراً من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وما يحوي ذلك من سلوكيات وأفكار واتجاهات ومفاهيم جديدة غير متوقعة أو منسجمة مع النسيج الاجتماعي والبيئي الذي اعتاد عليه أفرادها، مدعومًة بثورة هائلة من الاتصالات المتطورة والأجهزة الحديثة، التي أسهمت في ازدهار مواقع التواصل الاجتماعي وما يدور فيها من تبادل للمعلومات والأخبار بشكل سريع جداً وغير متزن، وذلك في ظل غياب المصداقية والموضوعية، وهذا كله كان كفيلاً بإفراز معطيات جديدة لها تأثير على بعض أفراد هذه المجتمعات، وتجعلهم في حاجة ماسة إلى من يساعدهم ويرشدهم في كيفية التغلب على ما يواجهونه من عدم القدرة على التعامل معها وفهمها بشكل جلي، مما يصل ببعض أفراد المجتمع إلى فقدان التوازن والسيطرة على مجريات حياتهم، ومن ثم تؤثر على اختياراتهم وقراراتهم التي قد لا يحمد عقباها في بعض الأحيان، أو قد تشكل خطراً على الآخرين وبالتالي على المجتمع في نفس الوقت، ومن هنا دق ناقوس الخطر للالتفاف إلى ما يدور من هؤلاء المتأثرين بهذه الأفكار والاتجاهات المستوردة في بعضها أو المركبة في بعضها الآخر مع ما يشوبها من الغموض والتشدد والغرور والخوف من الاستماع أو التحاور مع الآخر، مما يخلق نوعاً من العزلة تجعلهم يضطرون إلى إنشاء مجتمع صغير خاص لتنمو فيه هذه الأفكار والآراء المتطرفة الخطيرة التي تهدد المجتمعات على كافة فئاتها وجوانبها.
وتأسيًا على ما سبق أصبحت الحاجة ماسة والضرورة ملحة إلى أن تفعّل هذه المجتمعات المنظومات الإرشادية وتوفر كافة الخدمات والبرامج النفسية والاجتماعية لكل شرائح المجتمع مع اختلافاتهم المهنية والدراسية والعمرية، وذلك انطلاقًا من حقائق هي أن المجتمع مبني على الأفراد ، وأن كل فرد من أفراد المجتمع يشكل مكونًا من مكونات بنائه، وأن لكل فرد وظيفة مهمة في هذا المجتمع، وهو عنصر فعّال فيه، وأن الإنسان كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر، ويعيش في جماعة، وأن الجماعة لا تستمر الا بالتوافق والانسجام مع أفرادها، بالتالي يكون الفرد بحاجة إلى من يرشده ويبصره بكيفية التعامل مع المكونات والمفاهيم الجديدة وتفسيرها مع إدراك الطرق الصحيحة للتعاطي معها، وتزداد ذلك أهمية لدى بعض الفئات التي قد تكون في مرحلة حرجة من مراحل الحياة وتحتاج إلى أساليب تربوية متخصصة.
إن المنظومة الإرشادية الفاعلة على كافة المستويات كفيلة بأن توفر الأمن الداخلي للمجتمعات وهو يعتبر الركيزة الأساسية لبنائها بصورة حديثة وعصرية، وعاملاً رئيساً في حماية منجزاتها والسبيل إلى رقيّها وتقدمها؛ لأنه يوفر البيئة الآمنة المناسبة للعمل والبناء ويشكل حافزاً للإبداع والانطلاق إلى آفاق المستقبل، إن الرعاية الإرشادية التي تقدمها المنظومة من خلال الخدمات والبرامج المختلفة لها دور كبير في تعزز وترسخ قيم حب الوطن والتضحية من أجله والانتماء والولاء له، والإيمان بالثوابت الدينية والاجتماعية الأصيلة التي توحّد النسيج الاجتماعي والثقافي، وبالتالي تظهر الهوية الوطنية كشعار وسمة لهذا المجتمع دون آخر، وتدعم توجيه كافة طاقاته وإمكاناته للوصول إلى الأهداف والغايات التي تندرج في إطار القيم والمثل العليا لتعزيز الروح الوطنية وتحقيق العدل والمساواة وتكافؤ الفرص وتكامل الأدوار داخل بناء المجتمع الآمن، استناداً إلى واقع ثقافي واجتماعي متين.
إن نواتج المنظومة الإرشادية بما تحويه من برامج وخدمات إرشادية متكاملة ومتواصلة تمكن الفرد من انتهاج السلوك الذي يؤمنه من الأخطار التي تهدد حياته أو ممتلكاته أو مجتمعه من خلال ما يملكه من الوعي والاستبصار، ومن المهارات والقدرات الذاتية والحياتية، والحرص على استقرار الأمن مع الحرص على حياة بقية أفراد المجتمع وعدم التعدي والتجاوز، كما أن مقومات الحماية الفردية تستوجب توفير الأمن لبقية أفراد المجتمع.
ولابد في هذا المقام من إبراز دور الخدمات والبرامج الإرشادية وأهميتها في تحقيق الأمن الداخلي للمجتمعات على كافة الأصعدة في وسائل الإعلام المختلفة وبرامج التواصل الاجتماعي للمساهمة بشكل فاعل في إثارة الرأي الأكاديمي والمناقشات العلمية وورش العمل لتعزيز الثقافة الإرشادية ودورها المهم في تحقيق الرؤى والغايات المنشودة منها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٦) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠٦-٢٠١٦)