علياء الموسوي

علياء الموسوي

في كل يوم نتكلم مع أنفسنا أكثر وربما مع المحيطين من الأصدقاء والأسرة، وقد يحدث العكس، والعكس كما هو معروف صحيح، في حوارات مونولوجية أو مشتركة، ولكن هل فعلاً نحن نخاطب ونحاور أنفسنا ونراجع أفكارنا بالشكل المطلوب أي بتحديث مستمر ودائم، يناهض الوضع الراهن ويواكب تسارع الأحداث والرؤى الفكرية المندفعة؟ أم إننا نسارع إلى تجاهل الأمر بالضغط على كلمة Delete كما هو معروف بيننا؟
كلنا نتلقى في اليوم مئات بل آلاف الرسائل النصية والمسموعة والمرئية من قبل جهات معروفة في أجهزتنا الإلكترونية أو غير معروفة، تحمل مضامين مختلفة متنوعة من حيث المعنى والتفاصيل الدقيقة المتغلغلة داخل محيط الفكرة نفسها التي تنطلق من من مبادئها وقيمها لتصب في رافد أو روافد أحادية أو ثنائية، وربما تكون أكثر وأعمق مما نتصور نحن معشر المتلقين، فلا رأي قد يكون صائباً أو مخطئا في الوقت ذاته.
يتكلم العالم اليوم في عديد من المحاور التي يطرحها ويناقشها بلا تردد أو استحياء، يناقش ويفصل، يبحث ويطور ويصل إلى نتيجة كما هو المفروض، فلا قضية دون حل، ولا سبب دون نتيجة، حيث إن العقل الناضج يطمح في الوصول إليها مهما كلفه الثمن الذي لم يعد كثيرون يبحثون عنه أو يفكرون فيه بالأصل.
تعتبر كل هذه الأفكار والآراء التي تخترق عقولنا قبل أجهزتها بكل بساطة رؤى فكرية، نعم رؤى فكرية، فلا يمكن لأحد أن يسفه الاشتراكية والليبرالية والإسلامية وغيرها من من الأنظمة الاجتماعية أو ينكر المسيحية والآشورية والزرادشتية وبقية الديانات السماوية، إلا إذا كان يعاني من اضطراب ومرض فكري في حجرات دماغه، وهذا ما أعتقد به وأؤمن به إيماناً تاما بلا شك أو تراجع.
نتكلم ونكتب عن الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ونطالب بها، ولكننا مع الأسف نقمع ونسكت من يختلف عنا وإن كان الفارق لا يذكر، نكره كل من لا يلبس مثلنا، نستعلي على من يدين بغير ديانتنا ونجعله بلا مقدمات وأسباب في الدرك الأسفل من النار، إلى ذلك، فإننا ندون في صفحاتنا الإلكترونية كل يوم عن السلام والإنسانية ونحن نزدري الآخر في القارة الأخرى بسبب فقره أو جهله الذي لم يكن له سبب فيه.
كل هذه الأمور تبعث على القلق والخوف، فكيف لنا أن نأمل في مستقبل خال من برك الدم وغياهب العنف بكل أشكاله، ونحن نرفض بشكل قاطع مفردة التعايش تكتب أمامنا، ونتعصب لأفكارنا التي ورثناها من أجداد أجدادنا التي مضى عليها الدهر وانصرمت بلا رجعة، والمضحك في الأمر فعلاً أننا حفظناها دون إدراك أو تمعن، العجيب حقاً أننا نتناسى وننسى أن ليس هناك حقيقة مطلقة ثابتة، وأن الحقائق والأفكار نسبية تتغير مع تغير الزمان والمكان، «فرأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» كما قال الشافعي.
أتساءل في كل دقيقة تمر علي، لماذا كل هذه الفوضى التي تحبطنا وتبعثر كل مشاعر المحبة والإخاء تجاه كل مختلف عنا شكلاً ومضموناً وفكرا ؟ أهو الاختلاف؟ ولكنه هبة ورحمة للعالمين من رب العالمين، بل ضرورة أساسية كالماء والهواء والطعام لا نستطيع العيش دونها، كل اختلاف بيننا هو جمال يزدهي وألق يعتلي، ومثلما قال الدكتور علي الوردي «ليس من العجيب أن يختلف الناس في ميولهم وأذواقهم ولكن بالأحرى العجب أن يتخاصموا من أجل هذا الاختلاف».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٨) صفحة (١٠) بتاريخ (١٨-٠٦-٢٠١٦)