عبدالله العطيش

عبدالله العطيش

نقضي في أماكن عملنا المختلفة ساعات طويلة، فالعمل لا شك يحتل جزءاً كبيراً من حياتنا، مما يجعلنا نطمح لأن يكون وقت العمل ممتعاً، وأن نقضيه بأكبر قدر من المتعة والانسجام، كما أن الحفاظ على الترتيب والنظام في مكان عملك يجعلك تشعر بسهولة الحركة والعمل، مما يزيد من إحساسك بالراحة والاستمتاع بعملك.
إن قيادة الليموزين ليست بمهنة سهلة كما يظن بعضهم، ففيها من المشاق مثل غيرها من المهن بل تفوق على غيرها لما يواجه قائد الليموزين من مواقف غريبة وطريفة في آن واحد مع الركاب، كما يساهم وجود قائد الليموزين وقتاً طويلاً في العمل يوميّاً في تعرضه لإيجاد صداقات تختلف درجاتها من شخص إلى آخر؛ فمنهم بعض الأشخاص الذين لو كان بيدك لجمعت كل ورد الأرض ووضعته في طريقهم، ومنهم من أساء صداقتك واستغلك لمصلحة شخصية، ولكن ليس في علاقاتنا التي نحياها أفضل من معاشرة جميلة فبحسن المعاشرة دائماً ما تدوم المحبة.
لكلٍّ منا تجاربه الخاصة، منها ما هو متشابه، ومنها ما هو مختلف؛ فقد استمددنا من طبيعة عملنا تلك التجارب، تجارب قد تعلمنا منها كيف نفكر قبل أن نخطو أي خطوة للأمام، تعلمنا الثقة والاعتماد على النفس، تعلمنا ألا نعطي ثقتنا إلا لمن يستحقها، تعلمنا ألا نستعجل في اتخاذ القرارات، وهكذا تعلمنا تجارب الحياة من طبيعة عملنا المختلفة، وكذلك تعلمنا أن نصون قلوبنا ولا نجعلها سهلة للمندفعين والمندفعات، وتعلمنا كثيراً وكثيراً؛ فالأذكياء فقط هم من يستفيدون من تجاربهم الحياتية.
لقد اتخذت من مهنة قيادة الليموزين منبعاً لكثير من القيم، بل وأفادتني على المستويين الوظيفي والشخصي على حد سواء، فقد تعلمت كيف يكون حب العمل وحب المهنة التي أعمل فيها واستطعت تسخيرها لتكون نواة لاقتناص القصص وتدوينها من خلال الاستفادة بالتجارب اليومية التي أمرُّ بها طبقاً لظروف وظيفتي.
يصادفنا من خلال عملنا مواقف من الممكن أن تضعك في اختبار حقيقي بينك وبين ضميرك بطريقة مباشرة وتبين تلك المواقف إلى أي مدى يحتل الشرف والأمانة جزءاً كبيراً من حياتنا، ففي أحد الأيام فوجئت بعد انطلاقي في طريقي عقب توصيلي أحد الركاب في مدينة الرياض، برزمة من الأوراق المالية على المقعد الخلفي لسيارتي عبارة عن 10000 دولار من فئة الأوراق المالية الكبيرة، ودون تفكير وخلال لحظات كنت على أدراج الفندق الذي نزل عنده الراكب، الذي صعق من هول المفاجأة حين رآني أعيد له المبلغ المالي غير منقوص لأثبت وبكل تواضع وشرف أن نشأتي السعودية الأصيلة، وقواعد ديني الإسلامي تأبى عليَّ الاحتفاظ بما ليس من حقي، وتأكيداً لقول الله سبحانه وتعالى «وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ»، كما أن التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة تتطلب ترويض الأفراد على الأمانة في كل قول وفعل مهما صغر أو كبر، وعلى الراشدين والراشدات تقع مسؤولية القدوة في ذلك، لأنه غالباً ما يقتدي الصغار بالكبار في كل شيء.
وأخيراً، إن ما أردت قوله إننا نواجه كثيراً من المواقف من خلال أعمالنا ومهننا المختلفة وكذلك نقابل شخصيات نتعلم من خلال تعاملنا معهم، فمنهم من نراه كالذهب الخالص ومنهم من هم قشرة خارجية خالية من الإنسانية تماماً.
الخلاصة:
واسمحوا لي أحبتي أن أعطر هذه المذكرات بأغنية ترددها «نصفي الثاني»
يا تكسي وين امولي ** دربك وعر وطلوعي
عب البنزين من دمي ** والبراغي من اضلوعي

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٥٩) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-٠٦-٢٠١٦)