د. يعن الله الغامدي

د. يعن الله الغامدي

في ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي بعث لي الصديق الدكتور محمد عبد المنعم عطا الله قصة حقيقية عن أحد الطلاب الذين تم ابتعاثهم إلى ألمانيا، ويقول عندما وصل هذا الطالب إلى هامبورغ رتب له أحد زملائه دعوة في أحد مطاعمها وهناك طلب لنا مضيفنا مزيداً من الطعام وكنا جياعا وكان المطعم جميلا وهادئا اللهم إلا من عدد قليل من كبيرات السن يجلسن بجوارنا، وبعد الانتهاء قمنا بالمغادرة وعند الخروج نادانا مالك المطعم والسيدات الكبيرات بجانبه وعندما تحدثنا معهم فهمنا أنهم يشعرون بالاستياء لإضاعة كثير من الطعام المتبقي في الأطباق، فأجابهم مضيفنا بأننا قد دفعنا ثمن الطعام الذي طلبناه، لكن إحدى السيدات نظرت إلينا بغضب شديد واتجهت نحو الهاتف في مكالمة وبعد قليل جاء رجل في زي رسمي قدم نفسه بأنه ضابط بمؤسسة التأمينات، وحرر لنا مخالفة بقيمة 50 فرنكا ونحن في صمت وذهول دفعناها له بعد الاعتذار منه، وقال لنا بلهجة قاسية اطلبوا الطعام الذي يمكنكم استهلاكه (المال لك ولكن الموارد للجميع)!
هذا هو مستوى الوعي الحقيقي، وهذه هي ثقافة مجتمع على الرغم من أننا أهل دين وهن لم يشاهدن المهايطات لدينا فكيف ولو علمن أولئك العجائز بذلك وبما يفعله كثيرون من تبذير وإسراف في شهر الصيام الذي أطل علينا هذه الأيام، ونحن أحوج ما نكون فيه للتنازل عن بعض عاداتنا السيئة كما جاء في كتابنا وسنة نبينا عليه السلام، إسراف فيه نغير كل ملابسنا ونقتني فيه كل أنواع المواعين وإسراف في تخزين الأطعمة، فما نستهلكه خلاله يعادل ما نستهلكه في عام تقريبا، والمؤلم أكثر ما نراه في أجهزة التواصل الذكية حين تصوير السفر الرمضانية ونشرها بواسطة تلك الوسائل، بل زاد من شغف بعضهم التطفل على خصوصيات الموائد المنزلية، وتصوير كل صغيرة وكبيرة والتسابق في نشرها عبر مواقع التواصل دون احترام فقير أو مسكين ودون مراعاة مشاعر إخواننا الذين هم في حصار وقتل وتعذيب حولنا، ألم يكن من الأولى أن نتبادل الأطعمة فيما بيننا كما كان يحدث في الماضي بين الأهل والجيران دون مباهاة أو مفاخرة؟ ثم أليس من الواجب ونحن من خير أمة أخرجت للناس أن نصنع من الطعام ما يكفينا، إذ لاعذر لنا في هدر الأرزاق من الأسواق؟ إن رمضان ضيف عزيز لا يأتينا إلا مرة في العام أكرم الله به هذه الأمة وفيه فرصة فلا تضيعوها بكثرة الأكل ولا تهدروها بكثرة النوم، وفيه أوقفوا إرسال صور ترفكم ولا تتباهوا بإرسال أنواع الإسراف بينكم، فنحن لسنا في حاجة أن تسخر منا حتى العجائز!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٠-٠٦-٢٠١٦)