سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

مذ تزوجت، وانتقلت لعش الزوجية، وأنا أقطن البناية ذاتها.. إلا أنها كانت أحلى وأجمل.. ليس لأنها هرمت كما هرمنا جميعاً، بل لتغيُّر ساكنيها.. فقد كانت جاراتي هن بنات عمومتي، بل وصديقاتي المقربات اللاتي قضيت أيام طفولتي ومراهقتي معهن ثم جاورتهن كبالغة.. كانت أياماً رائعة لا تنسى.. فرغم أننا في الألفية الجديدة، إلا أننا تقاسمنا حيواتنا معاً كأيام الطيبين ومن قبلهم.. فنحن لم نكن نموذج الحارة المصغرة فحسب، بل كنا نمثل ما يسمى قديما بالساباط.. أي الزقاق المغلق ببوابة تحتفظ بخصوصية وحميمية الساكنين خلفه.. وكذلك كنا، لم يقلقني نقص الطماطم المفاجئ، أو الحليب، أو أي شيء، فبإمكاني أن أمد يدي فقط فيصلني ما أريد مصحوباً ببطاقة حب.. تشاركنا كل شيء حتى الخادمة التي (طفشت) منا طبعاً وهربت.. وكم كان لون الحياة «بمبي». إلا أن دوام الحال من المحال.. فقد منّ الله عليهن واستبدلن الشقق الصغيرة بالدور… إلا أنا… بقيت أحرس الأطلال.. وأستقبل المستأجرين الجدد الذين ما فتئوا يتغيرون ويتغيرون قبل أن يكملوا عاماً واحداً حتى.. وكأن هناك لعنةً ما بالمكان.. المهم أن تلك الحميمية الجميلة رحلت دون عودة، فلم أعد أعرف من هن جاراتي أصلاً ولا أعرف حتى ملامح وجوههن.. وأكثر ما جمعني بهن هو تبادل تحية باردة عند مدخل العمارة، هن أيضاً لا يعرفنني.. ربما يسمونني الجارة اللئيمة التي تنهرنا كلما ألقينا القمامة عند المدخل، وتجبرنا أن نبذل مزيداً من الجهد حتى نصل الحاوية، أو الجارة الشريرة التي تهدد بإبلاغ الشرطة إن لم نوقف الصخب عند الثانية فجراً أيام العطل، لأن حضرتها ستذهب للعمل غداً، أو ربما يشفقن علي لأني أول من يخرج صباحاً وآخر من يصل عصراً، المهم أنني لا أعرف حقاً ما يكنونه لي إن أكنوا لي شيئاً أصلاً، حينها فقط أدركت كم تغير الزمن، فبعد أن كان منزل أبي لا يقفل أبوابه إلا ليلاً، نعيش اليوم خلف الأبواب الموصدة كأن الإسمنت المسلح لم يغلف منازلنا فقط، بل يبدو أنه غلّف قلوبنا أيضاً، دوائرنا الاجتماعية باتت حصرية ومغلقة، ولم تعد تتقاطع، أصبحنا محتاجين لدعوات رسمية وديباجات مطولة ومقدمات، قبل أن نطرق باب الجيران. رغم كل ذلك لطالما نجح رمضان الكريم في التخفيف من الغربة المجتمعية التي نعيشها حتى في مساقط رؤوسنا. فبحميميته المقاومة لتعريات الزمن استطاع أن يحد من تلك القطيعة. فمع بداية الشهر تبدأ الأطباق الشهية تدور بين الشقق، وكم كان وصولها يسعدني لأنني بطبيعتي أحب الناس رغم أني أعترف بتقصيري عن بذل الجهد المطلوب للتواصل، باستثناء الاشتراك في إرسال تلك الأطباق واستقبالها. إلا هذا العام، عشر ليالِ مضت ولم يصل أي شيء، كانت تلك علامة أن الجيرة بمفهومها الجميل قد لفظت أنفاسها الأخيرة ورحلت. كانت الغصة تزداد مع الأيام وأنا أنتظر أن يداً ما تطرق بابنا دون فائدة، إلى أن قررت أن تكون تلك اليد هي يدي أنا، لمَ لا أطرق أبوابهم بأطباقي، ليس مهماً أن تعود ممتلئةً أو فارغة، المهم أني حاولت محاولة بسيطة أن أنعش تلك العلاقة العليلة، والحمد لله أني فعلت، فقد كانت ابتساماتهم المشرقة المتفاجئة هي كل ما أبحث عنه.
دائماً دائماً دائماً: كنْ أنت التغيير الذي تبحث عنه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦١) صفحة (١٠) بتاريخ (٢١-٠٦-٢٠١٦)