وسط هذا الصخب الذي اجتاح مدننا الإعلامية والبرامج المتعددة ظهرت برامج المقالب الساخرة التي تتكرر خلال شهر رمضان، وتخرج في كل عام عن إطارها البسيط الذي تعودنا عليه ضمن برامج «الكاميرا الخفية»، التي كانت تقدم بكل عفوية النكتة والمزحة إلى عمل منظم لبرامج وضعت لها ميزانيات ضخمة، يتم خلالها استرضاء الضيوف من المشاهير وإغراؤهم بمبالغ ماليه كبيرة أو رصد مبالغ أخرى لمتابعة الشكاوى القضائية التي قد تترتب على عرض حلقات البرنامج، كل ذلك يتم دون استفتاء أو بحث يأخذ بعين الاعتبار تبعات عرض مثل هذه البرامج وتأثيرها على المشاهدين من مختلف الشرائح والأعمار، تتم دون إذن أو موافقة المتلقي الذي يتابع بلا حول ولا قوة، حينما يتابع هذه البرامج التي تمرست في إيقاع الضحايا عن طريق الخدع المركبة ضمن تعددية الأسماء التي عبرت على الشاشة الفضية، ومنها برنامج «ميني داعش» و«فؤش في المعسكر» و«هاني في الأدغال» و«رامز يلعب بالنار» و«هبوط اضطراري» و«التجربة الخفية» و«الحكم بعد المزاولة»، وغيرها من البرامج التي تعددت بنهاية فكرة المقلب الواحد مع الاختلاف في الأفكار التي حولت هذا الشهر الكريم إلى سباق تنافسي محموم بين الفضائيات لهذه المحاكاة العنيفة، والتلاعب بمشاعر الناس لخلق ابتسامة مفتعلة، وتمرير هذه الأفكار العنيفة من خلال تسطيحها في عقول الضحايا والمتفرجين، والسخرية المنظمة من الكائن البشري بهدف خلق جو من الإثارة والضحك على إنسان يكاد يموت من الذعر والخوف، وكأنها حالة إعادة وتكريس للواقع العربي والإسلامي من استعراض العنف بطرق سخيفة، والترويج للخوف والقتل والترويع في قلوب الناس، فمن يعطيهم هذا الحق بالتلاعب بمشاعر الناس؟ وتحويل هذه المقالب لتصبح أمورا اعتيادية يجب أن نقبلها كتحصيل حاصل كما نقبل واقعنا الذي نحاول الهروب من ويلاته التي أضرت بالفكر العربي والإسلامي، الذي يحاول القفز من قطار الخوف والرعب وتدمير الضمير والترويج للقتل المجاني.
هذه البرامج هي مزادات للسخرية من الإنسان ومشاعره، فمن يدفع ويروع أكثر عبر شركات لإنتاج الرعب النفسي؟! ومن يدخل المزاد ليراهن على الضحك السخيف وانتهاك حقوق كرامة الإنسان؟! ومن يتحمل التبعات النفسية التي تتسرب إلى قلوب الصغار وإلى القناعات التي تترسخ في نفوس الأجيال؟! وما هو أخطر من ذلك هو نقل الأفكار الإجرامية إلى النفوس، أي أنها تستوطن في النقاط الأكثر تعقيداً لدى المتلقي في سياق عمليات الاستهداف ومحاكاة العنف وتكريره بصور مختلفة تحمل عناوين العنف والخوف. إن هذه البرامج ينقصها الضمير الذي سيحاكمها يوما ما على الاستهانة بمشاعر الإنسان الذي انتهكت حياته طولا وعرضا، وصار يبحث عن الأمان والاطمئنان بعيدا عن التنكيل النفسي الذي يقر ثقافة التخويف والتهويل واستساغة ما هو غير مقبول. أعتقد أن على هذه البرامج والقنوات الفضائية أن تعيد النظر في توجهها، وأن تعرف مدى التأثير السلبي الذي يمكن أن يقع في نفوس المشاهدين، وأن تنظر إلى حكمة الشريعة الإسلامية وديننا الإسلامي الحنيف في النهي عن المزاح الذي يؤدي إلى الترويع والسخرية والاستهزاء بالإنسان لتحقيق أهداف سخيفة لا تحقق أي مصلحة للمجتمع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٢) صفحة (١١) بتاريخ (٢٢-٠٦-٢٠١٦)