محمد الفلاج

محمد الفلاج

كُنت على تويتر بعد السحور، أعجبتني تغريدة لسعادة الدكتور عبدالواحد الحميد، تحدث عن متعة القراءة عن كتاب للدكتور مصطفى محمود، هذا العبقري الطامة في هذا الزمن، عنوان الكتاب «تأملات»، يقول: لقد استمتعت بقراءته في شهر رمضان الكريم. أخذني الحديث معه، وعن جمال فكر الدكتور مصطفى، وقوة تأثيره في فن الكتابة الفلسفية عن مختلف العلوم وما لها من تأثير. كان يوصيني بقراءة كتبهِ خصوصاً أنني ذكرت له حبي لسماع صوته وهو يعلق على كثير من العلوم وخاصة الفيزياء والنسبية. انتهى حديثنا القصير وهو مازال يوصيني.
أشكره من قلبي، رجل قامة عُرف في المجتمع السعودي وخاصة شريحة المثقفين. وأنا ممن يقرأ له. إن الكتاب ضيف لا يمل بين يديك يتحدث معك متى ما شئت.
في منزلنا كتاب.. ماذا يعني؟ لغة الصمت والقدر الذي ندعو الله أن يثبته على قلوبنا أن الكتاب روح تنفست في منزلنا تبقى صامتة هادئة تشاركنا أفكارنا، تفتح لنا آفاق السعادة حينما تزيح عنا ظلام الجهل. إن السعادة ليست بالاجتماع أو وفرة الطعام والمال بل في سعة الفكر، جلسة هادئة وكتاب ربما يطير بك نحو فضاء لم يصله أحد في مستوى فهمك ووعيك إذا استعدت القدرة الطبيعية على مشاركة جزء من هذا الوجود الخفي عليك تشارك في أوراقه فكرك فتملأ عقلك من رحابة العلم فتستصغر كل عظائم الأمور المخيبة التي تتضح فيما بعد أن لا قيمة لها. في بيتنا كتاب.. هذا يعني أن منزلنا يوجد بهِ عالم يتحدث بصوت أخف من الضباب يشاركنا في إدارة كثير من حياتنا يطرد عنا كثيراً من منقصات الحياة. في منزلنا كتاب.. هذا يعني أن منزلنا عامر بالعلم والإيمان والحب حينما ندرك أن كثيراً من الأخطاء لا تستحق أكثر من ابتسامة بريئة، وحلها ربما بكلمة، وربما بعمل نتسابق من أول من يفعل ذلك. في منزلنا كتاب.. أسرة سوف تقرأ ويستمر مستوى التعليم بلا انقطاع، تتفوق على كثير من المشكلات الصغيرة والكبيرة، في منزلنا كتاب لا ينحصر مستوى الوعي في جانب معين، وأن بقية الجوانب الأخرى مظلمة، في منزلنا كتاب.. إذاً نحن عائلة تستعد لأن تكون أسرة ناجحة في كل المقاييس، تهدأ أخلاقنا وتُهذب، فنحترم كل الناس على أنهم في مستوانا الأخلاقي بل حتى الآدمي على أقل تقدير، في منزلنا كتاب.. علينا أن نفهم أن حدود منزلنا وزمانه ومكانه أكبر بكثير من تلك الأمتار المحدودة، في منزلنا كتاب.. نحن أسرة تستعد لآن تُغذي عقلها حتى الإشباع، في منزلنا كتاب.. هذا دليل على أننا نملك مستوى عالياً من الحب والاحترام لبعضنا بعضاً، وأن الأخطاء ربما إن لم تحل بالحديث فلغة الصمت هي مركب الحلول، في منزلنا كتاب.. نعمر جدرانه حباً ولونه بالأمل، ونغطي أسقفهِ بأجمل العبارة التي تحثُنا على أن هذا الفضاء واسع ينتظرنا، في منزلنا كتاب.. نتعلم منه كل شيء، أقلها أننا نحب الله ورسوله، ونتعامل مع الآخرين على مستوى هذا الحب، في منزلنا كتاب.. سوف تكبر الحديقة في المنزل، ولن يقطف الصغار زهورها لأنهم يحبونها أن تعيش وتكبر أزهارها وتصبح أوراقها متدلية وتملأ المكان رائحة وجمالاً ويصبح حتى الصغار أصدقاء لها ولنا. في منزلنا كتاب.. يصبح المنزل جميلاً والحي والمدينة والبلد بأكملها، في منزلنا كتاب.. سوف نتعلم كيف نحترم الشارع، ونعطي حقوق الآخرين، ونلتزم بالمواعيد والقوانين، ونهتم بأدق تفاصيل الآخرين إنها ملك لهم، في منزلنا كتاب.. سنتعلم أن الحياة حلوة لا يوجد فيها طوائف وقبلية ومناطقيات وتهميش وإقصاء وديانات تقتل بعضها بعضاً، في منزلنا كتاب.. سنتعلم أن العدالة الإنسانية تولد معنا وليست مكتسبة من الشارع، ولكننا لم نعمل بها أو نفعلها، وأن الصغار الذين تبكي عيونهم الطاهرة حزناً وهماً لم يبلغوا سن التكليف، هذا دليل أن الإنسان أمده الله بكل سنن الحياة الكونية التي يحتاجها بنو البشر بل وكل الأرواح التي خلقت خُلق معها الرحمة حتى الضارية منها تحب وتكره.
في منزلنا كتاب متنوع كالمائدة اللذيذة التي تفتح شهيتك للطعام، تغذي بها جسدك كما هو الكتاب تغذي به عقلك فتصبح إنساناً آخر مختلفاً عن هذا العالم، إن العالم يتغير، وتغير بفعل الكتاب، وإن أمة الجهل تعلمت بالمهاترات والمناقشات وبعض الخرافات والأسطوريات ورفع الصوت وفرض الرأي، أمة سيبقى بينها وبين بقية الأمم فارق لا يُعد بقدر ما يكون بعد بمستوى السنوات الضوئية، أمة لا تقرأ، أمة تنتظر الأوامر والتعليمات لكي تنفذ ما يلزم، وتبقى الأمم التي أصبح المواطن الأمي الذي لا يفهم حرفا ولا صرفا يرى المنطق وما يمليه العقل في الشارع، فيسير معهم وكأنهُ أعلم منهم. في منزلنا أعظم كتاب. إنه القرآن، ولا بد من بقية الكتب الأدبية والتعليمية التي أقلها تعلمنا ماذا يعني القرآن وفلسفة الفيزياء والطبيعة والحب والحياة التي ليس لها قيمة في هذا الكون، في منزلنا كتاب.. هذا دليل أننا أسرة تبني وطناً وبأعلى مستويات الإنسانية والعلم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٢-٠٦-٢٠١٦)