ناصر القحطاني

ناصر القحطاني

ناصر القحطاني

قبل عدة أيام شاهدت هاشتاقاً في تويتر كان بعنوان (شي_جميل_بحرف_الواو) وشدتني إحدى التغريدات التي كتبت كلمة واحدة فقط وهي (وطن)
من أبجديات الحياة أن الإنسان الطبيعي بحاجة إلى 3 أوطان:
وطن لجسده
وطن لقلبه
ووطن لروحه
ومن افتقد أحدها فهو بلا شك يعيش غربة عن وطنه.
غربة الجسد تكون بفقد الإنسان وطنه الذي ولد فيه، وترعرع على أرضه وشرب من مائه، لكنه يتركه مضطرا مهاجرا بحثا عن لقمة العيش، أو طلباً للعلم أو هرباً من ظلم طاغية، لكنه سرعان ما يتأقلم مع وطنه الجديد، ويخرج جيل جديد بهوية المهجر، وأصدق مثال على ذلك هو نزوح كثير من القبائل العربية نحو شرق آسيا وتركيا بل وحتى جنوب أوروبا واستيطانهم بها قبل عدة قرون. الغربة الثانية هي غربة القلب (بين الزوجين) وهي بلا شك أقسى من غربة الجسد؛ لأن البديل صعب وقد يكون نادرا، ومن أكبر نعم الله على عبده (زوج أو زوجة) أن يمن عليه بشريك لحياته وتوأم لقلبه وسكن لنفسه، فكم من زوج وزوجة يعيش أحدهما مع الآخر فقط بجسده لا بقلبه، وبعقله لا بروحه، وبينهما خندق فكري أو عاطفي أو كليهما، ولا خيار لمن يعيش هذه الغربة إلا الصبر والتعايش. هذه الغربة هي الاختبار الحقيقي للإيمان والصبر عن معصية الله بالبحث عن الحب خارج إطار الحياة الزوجية، قال ربي في كتابه (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى) ولكن الله يعوضه صلاحا وبركة في ذريته وعمره.
الغربة الثالثة هي.. غربة الروح، وهي حينما ينقطع الاتصال بين الخالق والمخلوق، فيعيش الإنسان جسداً بلا روح ويشعر بوحشة من نفسه فضلا عن الناس لافتقاده الروح الحقيقية التي تسري في جسده. ويعيش تعيسا داخل نفسه، وسعيدا خارجها.
لا يعلم لماذا جاء إلى هذه الحياة؟
ومتى سيموت؟
وهل هناك حياة بعد الموت؟
وما الذي ينتظره بعد الموت؟
تأملت قول الله تعالى وهو يذكر كيف خلق آدم بيديه ونفخ فيه من روحه ثم أمر الملائكة بالسجود لهذا المخلوق الجديد، قال ربي (ونفخت فيه من روحي)، فأي تشريف لهذا الإنسان أن نفخ الله فيه من روحه؟ وأصبحت هذه الروح هي بداية حياته بعد أن كان طيناً لا حياة فيه ثم دبت فيه الحياة بعد تلك النفخة، ولذلك فكل مولود يولد على الفطرة؛ لأنه من نسل آدم الذي به نفخة من روح الله. في الصلاة ينقطع الإنسان لدقائق معدودة من عالم المادة وصخب الحياة ويتصل روحيا بخالق هذه الروح فتحيا روحه وتطمأن نفسه؛ لأنها كانت مع خالقها الذي نفخ فيها من روحه، وهكذا يكررها خمس مرات يوميا، حتى إذا أوشكت روحه على الخروج من جسده في لحظات الاحتضار، ناداها ملك الموت (أيتها الروح الطيبة، اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان) فتخرج روحه وتصعد بها ملائكة الرحمة وتزفها إلى السماء مسرعة مستبشرة في موكب مهيب، فيرحب بها أهل السماء ويثنون على تلك الروح حتى يصلوا بها إلى السماء السابعة، فيأمرهم الله أن يبشروها بالجنة فتنام الروح قريرة العين تنتظر بشوق يوم الجزاء والحساب، ويلخص ذلك المشهد قول الله (يا أيتها النفس المطمئنة.. ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي.. وادخلي جنتي).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٣-٠٦-٢٠١٦)