عايض القحطاني

عايض القحطاني

عايض القحطاني

في موقف بديع جميل لشاب ثلاثيني يزور قريته في مملكتنا الحبيبة يتجول في شوارعها وحواريها حتى يلمح من بعيد بقالة صغيرة فيتجه نحوها و يتأمل فيها، مقلبا شريط الذكريات يرجع به إلى عشرين سنة ماضية، منصتا لصوت يهتف من أعماق ضميره: هنا كانت شقاوة الطفولة، هنا امتدت اليد لمال حرام، هنا كان مسلسل القهر والغبن لإنسان مغترب. يترجل صاحبنا من سيارته للبقالة متسائلا أين البائع فلان؟ فيقال له: قد انتقل إلى مكان آخر فيذهب الى ذلك المكان يتحسس من البائع لكن دون جدوى فقد انتقل أيضا إلى مكان ثالث، ثم يسير منطلقا إلى المكان الثالث وقلبه يعتصر حزنا، لكن هذه المرة استبشر خيرا غير أن الفرحة لم تكتمل فقد أجابوه بأن البائع قد خرج و سيعود في المساء، حتى لم يعد صاحبنا يطيق الصبر، فطلب منهم الاتصال به والتكرم بالحضور فورا وماهي إلا لحظات حتى قدم ذلك البائع هندي الجنسية مستغربا خائفا لم كل هذه السرعة، وما إن تقابلا بعد انقطاع أكثر من عشرين سنة حتى علت الابتسامة محياهما في سلام حار لافتا للانتباه، فوراء الابتسامة سر قديم وفي حرارة السلام جرح عميق!، ثم يردف صاحبنا قائلا معترفا للبائع: حين كنت طفلا كنت آتي لبقالتك الصغيرة تلك وآخذ منها بقيمة ريالين متحايلا متحديا معاندا دون أن أدفع قيمتها على مدار سنة وأكثر، وها أنا أمامك وبين يديك اطلب ما تشاء تعويضا عن تلك المشتريات وما سببته لك من المتاعب والقهر والغبن! فما كان من البائع إلا أن يرد بجملتين في بهجة وسرور «أنا معلوم» و «ما فيه مشكلة» معلنا بذلك الصفح الجميل والعفو النبيل، حتى أصر صاحبنا على البائع بمبلغ مالي فقبله منه ثم افترقا في وداع حار كحرارة اللقاء. إلى هنا نسدل الستار.. ونتساءل أي قوة يُنشئها ذلك الضمير حتى تجعل الإنسان يحاكم فيها نفسه أمام الخصم والملأ، معترفا بخطاياه طالبا الحق أو العفو وهو مطمئن مستريح الضمير في حين لم ولن يطالبه ويطارده أحد وربما لن تطاله يد القانون! بل ربما سار الإنسان إلى صديق أو قريب يستميحه عذرا لزلة ارتكبها في حقهما، أو سار إلى مقر الشرطة دون سلاسل أو قيود مسجلا اعترافه بجريمة اقترفها بعيدا عن الأنظار دون شهود، فضميره خير من ألف شاهد وهو يعلم أن اعترافه قد يكلفه حياته أو حريته أو ماله، غير أن ذلك كله أحب إليه من عذاب الضمير، وحتى لو نجا من عقاب القانون وظلمة السجن فعقاب ضميره أشد وأقسى. ربما ضعف الإنسان فجمحت نفسه وراء شهوة أو سقط في زلة لكن سرعان ما يؤنبه ضميره فيشعر بوخز في قلبه فيرتعش ويرتجف يريد أن يتطهر من قول أو فعل خفي مستور أو معلن مكشوف.
أخيرا:
كثيرا ما نسمع همسة «ضميري يؤنبني» تهمس بها نفوس طيبة صافية.. وما تلك الهمسة وذاك الشعور إلا نسمة من أنسام الروح تنبض وتشع في أعماق ضمير الإنسان فيتحسس ويتوجس ويتعفف ويتورع، ويعود ويتوب لترتفع بصاحبها إلى منزلة سامقة رفيعة في سلم الحضارة البشرية والكمال الإنساني ليبقى الضمير حاضرا على الدوام وإن غاب قليلا، لكن سرعان ما يعود يرفرف في آفاق النور فيشرق ويستنير من جديد.. فلا راحة وفرحة تعدل راحة الضمير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٣-٠٦-٢٠١٦)