سلطان التمياط

سلطان التمياط

سلطان التمياط

قبل أيام قليلة حدثت لي شخصياً قصة غريبة أخذت من تفكيري شيئاً كثيراً، فأحببت أن أنقلها لكم لتشاركوني جزءاً من التفكير في الحدث وتبعاته..
حيث كنت في أحد الأسواق مع زوجتي وابني الصغير «تركي»، الذي لم يتعدَّ عمره الأربع سنوات، فقد كان «تركي» ينادي والدته في أحد ممرات السوق باسمها بصوتٍ عالٍ لاحظه جميع من كان موجوداً في السوق وقتها..
وكان يكرر اسمها بصوتٍ عال ممتلئ بالبراءة، حتى بدا لي أن أغلب الموجودين في السوق كانوا ينظرون إلى الطفل الصغير وإليّ!
طبعاً لا أعرف ماذا يريدون، ولكن كنت أتوقع أنهم كانوا يريدون معرفة كيف سيكون تصرفي مع ابني في تلك اللحظة!
فحاولت أن أكبح جماح براءته بذكر كلمة «عيب»، فتوقفت والحمد لله أن لساني لم يستطع النطق بها لأني رأيت أنه في الحقيقة لا أرى في زوجتي ما يعيب اسمها فهي وبكل فخر سيدة بيتي الذي أعيش فيه معها ومع ابني، ولم تقصر أبداً في دورها كزوجة وكأم، هذا بالإضافة إلى كونها مربية أجيال تحاول أن تجتهد في أداء رسالتها التعليمية وتقوم بها على أكمل وجه!
كنت أحاول أن أقول لابني كلمة «عيب» لكي لا يذكر اسم أمه أمام الناس، وأن يقول لها «ماما» فقط، دون ذكر اسمها أمام العلن، فوجدت نفسي أتوقف لا إرادياً عن قولي له تلك الكلمة غير المناسبة عن أمه، لأني وبكل صراحة خجلت بشدة من مجرد تفكيري بقولها، ورأيت فيها عيباً كبيراً مني بحقها وبحق ابني أن أقول له أنّ ذكر اسم أمه في مجتمعنا «عيب»، وحتى لا تنغرس في عقله الطاهر البريء حتى وإن كان صغيراً في السن ولا يفقه ماذا أقصد وماذا أعني!
لكن الله ألهمني قبل معاتبته بل بسرعة فكرت فيما بعد ذلك عندما يكبر: هل ستنغرس تلك الكلمة في رأس «تركي» كما غُرست في عقولنا من قبل ذلك!
وهل سينظر لاسم والدته أو إحدى أخواته كما ينظر بعض الجهلاء حينما تُذكر أسماء أمهاتهم أو أخواتهم وكأن ذكرهن «عار»!
«مستحيل» فأنا لا أريد لابني أن يستعرّ من اسم أمه، أو عمته، أو خالته، بل بالعكس أريده أن يفخر بأسمائهن وأن لا ينظر لهن كما ينظر لهن الآن قومٌ ابتلينا بهم، ما زالوا مع الأسف الشديد يعيشون بفكرٍ جاهليٍ مقيت..
فأغلب الأمثال والقصص التي يتوارثها الجيل الحالي من بعض المؤرخين المحسوبين على العقلاء، الذين كانوا ينتقصون من قيمة المرأة ومكانتها في أغلب كتبهم وقصصهم ماهو إلا النقص بعينه، فكيف لأمٍ أنجبت وربت أجيالا حتى كبروا وأتوا بأجيالٍ وراء أجيالٍ أخرى بأن يهضم قيمة المرأة بهذا الشكل الأخلاقي الفظيع!
فمشكلتنا الحقيقية نحن معشر الرجال هي ليست في المرأة، ففي عصرنا الحالي هناك نساءٌ نجحن وتفوقن على كثيرٍ من الرجال في كثيرٍ من المجالات، والأمثلة حاضرة ومعروفة للعامة، وتميُّزهن تعدى حدود المكان حتى وصلن للعالمية بحهودهن وتفوقهن الملحوظ في شتى المجالات..
بل المشكلة الأعظم هي في تفكيرنا الساذج جداً، الذي ما زال ينظر المرأة نظرة دونية لا تليق بها ولا بمكانتها الحقيقية..
رسالة الختام :
يا كرام يا عقلاء.. العيب الحقيقي ليس في المرأة!
إنما العيب وبكل أسف هو في ذاك الرجل الذي حملته «امرأة» في بطنها، وتحملت أوجاعه، وظلت تتعصر ألماً طوال تلك الأشهر التسعة حتى أنجبته كاملاً ليأتي بعد أن كان لا شيء يُذكر، فينتقص منها بعد كل ذلك!
هنا العيب يا سادة إن كنتم تعقلون..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٤-٠٦-٢٠١٦)