هيثم آل ريس

هيثم آل ريس

لم أكن أتحدثُ كثيراً، كان صوتي غريباً عن الآخرين.. وعندما يجيء الكلام على شفتي كحبات الندى المرتدية وشاح الغابة مثل شجرةٍ تنوح على بذورها التي تصبح أمام ناظرها أشجاراً أخرى، يذهل الجمع الغفير ويتحد فوق كل الفروقات في مواجهةٍ مع كون غريب يحط قسراً في حياتهم.
بهذه المعادلة المعقدة نتكلم، وفي قعر استغراقنا نجس أنفسنا، ونقيس وجودنا على كلماتٍ وجمل، وآراء وتوجهات تخلط وجوهنا فلا تبقى ملامحنا التي تعرف عنا فقط، إنما أشياء كثيرة قد لا نعرف جلها.
وظيفة التحدث طويت في صدري، كانت أمي تقول إني تحدثت متأخراً ببطء في الصف الأول الابتدائي بشكلٍ ما كنتُ مضطراً لأفعل ذلك، ومن ذاك الوقت كان حديثي الداخلي ينمو، ويزداد عمقاً، مما زاد في العزلة، فقد كنتُ أملك عالماً مملوءاً بالتفاصيل المتغيرة التي تشدني لأن أعيشها حياةً كاملة بشعور ممتد، بهذه الطبيعة تطاولت فسائل الكتابة في نفسي حتى بلغت أن تكون اسماً ومعرفاً يأخذه الناس عني، ويخاطبوني به، وهكذا وصل الداخل بالخارج، ورأيتُ ما أشعر به جهاراً يجوب الشوارع، ويسكن البيوت، ويتعلق بالأهلة، ويتسلل لحلوق الأطفال في المدارس حين يغنون الأناشيد، ويتجمعون في طوابير المقاصف، وبرفق الأصدقاء إذا استمعوا لي وباتت دموعهم حبيسةً تنتظر التساقط، وفي البروج المشيدة تتمايل كحبة قمحٍ مليئة، وفيّ حين أبتسم، وأشتاق، وتحكي عينيّ كلاماً. لقد سُكب نهر خيالي على الواقع فبتُ أرى حزن المحطات، وأسمع لوحات الطرق متسامرة، وتسكن إلي كلمات العشاق وتتدثر بجواري، وتسيح الحقول بوجهها توزع جسدها على سكان المدينة علها تلقاني في وجوه من تراه، وتتوسد في الدور ماضيها، حزنها الذي يصل بيني وبيني بجمالٍ فائق يغيب عقل صاحبه ليكون آخر بصيغةٍ مبدلة فلا يعرف إلا أنه صورة لي. لم أكن أحتاج للحديث، فقد كنتُ أستمتع بكل الأحاديث حولي التي تصبح على نحو ما لذيذة تضاهي أفخر أنواع الحلوى المقدمة مع الشاي، وكثيراً ما تصيبني بحالة غيابٍ عما أنا فيه لأعايش فراغاً ألاعب فيه الاحتمالات بشكل متهور يجاوز في خطورته صعود الجبال، أو القفز المظلي، أو الغوص بجانب عشيرة من أسماك القرش. لقد بت أكثر حباً بعد إذ فصلت القشرة بين العالمين، وازددت عشقاً إلى أن جاوزت القنطرة بفيض يمد من أحببتهم إلي على قوارب من ريح لا يجاريهم أحد إلي ليصلوا في لمحةٍ أو تقل أحياناً.. أترك لهم متعة الحديث، وأغرق في متعة وجودهم في قلبيّ الكبير. أسير إلي ويورق جسدي نخيلاً باسقة الطلع، تجلي في يدي الينابيع فأنهل من نفسيّ ما غابَ عن عيني، وسكن فؤادي طويلاً وجهك الذي استعمر طلعتي، ثم دار إليّ مخموراً من نهر الحب، حسناً صفياً.
ولد الكلام من عينيّ، وراح يجوب في أفواه أحبابي أحسن الكلام، وأحلى ما يحكيه متيم بمن أحبه. أبث جسدي للمدى فيحسرُ إليه عمامةً بيضاء يهطل منها النور، ويرمي شبهه على سحنة القرية التي عاد منها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٥-٠٦-٢٠١٦)